للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن صفراء كالزجاج المذهب، ومن بيضاء كأنها نقطة غدير، أو فضة طافت بها قوارير، أو وردية تتضاحك في الشفاة اللعس ثغورها المفترة، ويخالطها الصفار كخد أبيض تشرب بحمرة، تضيء في دجى الليل مصباحًا، وتهدي إلى الجلساء بريحها تفاحًا، وببلاد «الشوف» (١) منها ما يرق عن الزجاج، ويخف عن مخالطة الامتزاج، فيعلق فوق الماء على الأقداح، وتتعلى حمرته عليه كالشفق على المصباح، يطير عليها الشعاع، ويطيب إلى قهقهة قيانها السماع و «صيدنايا» معدن ذهبها، وأفق كوكبها، وإليها أشار ابن عنين بقوله (٢): [من الكامل]

ومدامةٍ من «صيدنايا» نَشْرُها … من عنبر وقميصها من صَنْدَل

مسكية النفحات يشرف أصلها … عن «بابل» ويجلُّ عن «قُطربل»

وقد خالف القاضي الفاضل الناس حيث قال يذم دمشق: «ودخلت دمشق وأنا ملتاث لتغير مائها وهوائها وأبنيتها وأوديتها، ومن لي بمصر فإني أبيع بردى بشربة من مائها، فالطلل هايل ولا طائل، وما سمعناه من تلك الفضائل متضائل».

وقال وقد وقع عليها الثلج: وأما دمشق فآدرها اليوم للثلج قوالب، وقد أخذ في أن يذوب، فالشوارع تحتاج إلى مراكب.

وبدمشق من كل ما في مصر من الوظائف. وليس هذا في بقية بلاد الشام. مثل قضاء القضاة الأربعة من المذاهب الأربعة، وقاضي العسكر، وخزانة تخرج منها الإنفاقات والخلع، وخزائن سلاح وزرد خانات، وبيوت تشتمل على حاشية سلطانية مختصرة، حتى لو حضر السلطان إليها جريدة وجد بها من كل الوظائف القائمة بدولته.

وكل أمير أمر فيها أو في غيرها من الشام أو رب وظيفة ولي وظيفة من عادة متوليها أن يخلع عليه، أو خدم في مهم من المهمات أو أمر من الأمور يستوجب عليه خلعة أو إنعامًا ولم يخلع عليه من مصر أو لم ينعم عليه من مصر، كان من دمشق خلعته وإنعامه.

ومنها تخرج أعلام الأمراء وطلائعهم وشعار الطبلخانات. وفي خزائن السلاح بها يعمل المجانيق والسلاح والزردخانات، ويحمل إلى جميع الشام وتعمر به البلاد


(١) بلدة في جبل لبنان.
(٢) ديوانه ٨٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>