بقية صناع هذه المملكة إلا فيما قل مما بمصر والشام والعراق والروم، فتستمد من لطائفها خصوصًا في القسي والنحاس المطعم، والزجاج المذهب، وجلود الخراف المدبوغة بالقرظ المضروب بها المثل.
هي إحدى جنات الدنيا الأربع. قال الخوارزمي: رأيت جنان الدنيا الأربع، وكان فضل غوطة دمشق عليها كفضلها على سواها، كأنها الجنة على وجه الأرض حسبما ذكرناه.
وبها البساتين الأنيقة تتسلسل جداولها، وتفيء دوحاتها، وتتمايل أغصانها، وتغرد أطيارها، وفي بساتين النزهة بها العمائر الضخمة، والجواسق العلية، والبرك العميقة، والبحيرات الممتدة عليها العرش الممددة المظللة، تتقابل بها الأواوين والمجالس، وتحف بها الغراس والنصوب المطرزة بالسرو الملتف البرود، والحور الممشوق القدود والرياحين المتأرجة الطيب، والفواكه الجنية، والثمرات الشهية والبدائع التي تغنيها شهرتها عن الوصف.
وبها في سفح قاسيون الصالحية، (١) وهي مدينة ممتدة في سفح الجبل بإزاء المدينة في طول مدى ذات بيوت وجنائن، ومدارس، وربط، وترب جليلة، وعمائر ضخمة، ومارستان، وأسواق حافلة بالبز وغيره. وبأعاليها من ذيل الجبل المقابر العامة. وجميع الصالحية مشرف على دمشق وغوطتها وكل بساتينها وشرفها وميادينها ومجرى واديها. وبجانبها الغربي كان دير مران المشهور. ومكانه الآن من المدرسة المعظمية إلى قريب عقبة دمر. ومنه هناك بقايا آثار.
وأما حواضر دمشق فهي كما قدمنا القول جليلة من جميع جهاتها، وأجلها ما هو في جانبيها الغربي والشمالي. فأما الغربي فإنها تفضي من تحت القلعة بها في ساحة فسيحة هي سوق الخيل على ضفة الوادي، ويخرج إليها من جوانب المدينة من أمتعة الجند، فتباع في أيام المواكب بها، وتنتهي فيما يليها من الوادي إلى شرفين محيطين به قبلة وشامًا، في ذيل كل منهما ميدان أخضر بالنجيل، والوادي يشق بينهما.
وفي الميدان القبلي منهما القصر الأبلق بناه الملك الظاهر بيبرس البندقداري
(١) راجع عنها، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، راجع عنها: الأعلاق ١/ ٢٢٠، الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٥٧٩.