الجبل، وقد عقد على مخرج مائه قبو رومي البناء، ثم ترفده منابع في مجرى النهر، ثم يقسم النهر أربعة: اثنان عن اليمين واثنان عن الشمال، مرفوعان على مجرى النهر في قرارة الوادي، دائمة بمقسم معلوم.
وعليه ألفاف البساس ممتدة من الجانبين، إلى أن يمر على المكان المسمى بالربوة. وقد بنى الملك العادل الشهيد نور الدين محمود بن زنكي ﵀ بها المقام المعروف بمهد عيسى. يقال: إن مريم أوت إليه بولدها عيسى ﵇، وإن هذه الربوة هي المعنية بقوله تعالى ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١) ومنظر هذا الواد يمن أعجب المناظر لتراكم الظل والماء، وإظلال الشمس والهواء، وافتراش الجبلين المحدقين به في أرضه بالبنفسج، تحت الأشجار المتمايلة على غصون البان، تتفتح بينهما خدود الورد، وتفتر مباسم الياسمين، وتندلق ألسن السوسن، ويتجاوب فيها هدير الماء والحمام، وتتلاقى خيول النسيمين الطائر من الشمال على منابت الشيح، ومن القبلة على الحدائق الفيح.
وإلى جانب هذا الوادي في قبليه بشمال سطح يمتد على ظاهر المزة كأنه قطعة بيداء مقفرة ينبت بها الشيح والقيصوم، وتتلاعب بها الصبا والدبور، عرفت بصحة الهواء وفسحة الفضاء، فطاب به ما جاورها، وصح لأجله ما قاربها.
ثم نعود إلى ذكر النهر ونسمي الأنهار السبعة: مجرى الوادي والستة المقسومة. فمجرى الوادي بردى أفاق عليه هذا الاسم لا يعرف بغيره. وعلى سمت بردى في الجانب الغربي الأعلى الآخذ قبلة نهر داريا، ودونه المزة، ودونه نهر القنوات، ودونه نهر باناس. وعلى يسرة بردى في الجانب الشرقي الآخذ شمالًا نهر يزيد، ودونه نهر ثورا. فأما القنوات وباناس فهما نهرا المدينة حاكمان عليها ومسلطان على ديارها. يدخل باناس القلعة بها ثم ينقسم قسمين: قسم للجامع وقسم للقلعة، ثم ينقسم كل قسم منهما على تقاسيم تتفرق في المدينة بأصابع مقسومة وحقوق معلومة. وكذلك تنقسم القنوات في المدينة، ولا مدخل له في القلعة ولا الجامع. ويجري الماء في قنى مدفونة في الأرض إلى أن يصل إلى مستحقاتها وتتسع في منافعها. ثم تنصب فضلات الماء والبرك ومجاري الميضاوات والمرتفقات إلى قنى وسخ معقودة تحت أزجات الماء