للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

انظر إلينا ترانا ما بنا دهش … وكيف يطرق أسد الغابة الدهش

لا تعرف الحادث المرهوب أنفسنا … فإننا بارتكاب الموت ننتعش

نسقي أحبتنا من صرف خمْرتنا … في طول ليلتنا حتى بدا الغبش

من كفّ ظبي سقاني من مدامته … لترتوي عطشًا فازداد بي العطش

كأن وجنتها من حُمْرة شفقٍ … وشعرها غسقٌ بالجسم مفترش

فالقوس حاجبها والسهم مقلتها … وإن قررت فإنّ السالف الحنش

فانظر ما نطق به أول هذه الأبيات من إقدامه، ثم ما جذبته إليه دواعي النفس من ذكر حبيبه ومدامه. وأما ما هو ممحض بوصف شجاعته وجلده فهو قوله: [من الطويل]

مواطننا في دهرهنّ عجائبُ … وأزمانُنا لم تعد عنها الغرائبُ

مواطنُ لم تحكِ التواريخُ مثلها … ولا حدَّثتْ عنها الليالي الذواهِبُ

وأدل على ما فيها فعله قوله في الاعتذار عن هزيمة لاقى بها كل عظيمة:

ومن قاتل الصفين وامتَاز مانعًا … وقد نهلتْ منه الظبى فهو غالبُ

قال هذه الأبيات التي هي من قصيدة طويلة عقيب وقعة جرت بينه وبين قواد السلطان ابن تاشفين عبد الرحمن صاحب تلمسان قرب قلعة سنان وثبت لملاقاة عدوه ثباتًا كبيرًا وقد انهزم كل جنده حتى جرح ثلاث جراحات، وأخذ له ولدان من أولاده وحظاياه فقال هذه الأبيات ومدح في آخرها سلطان المغرب وذكر فيها بعثه ولده أبا زكريا يحيى في البحر لاستنجاده فمد له للمساعدة ساعدًا، وسدّد لأعدائه سهمًا قاعدًا، ولما أخذت أولاده صبا إليهم واشتاقهم وقال يتسلى بعدهم وفراقهم: [من الطويل]

ظَمِئْتُ في دَموعي للفراقِ بحُورُ … وأُجّجَ ما بينَ الضلوعِ سعيرُ

وفارقتُ قلبي يومَ فارقتُ صِبيتي … فللهِ أحياءٌ خلتْ وقصورُ

وقلتُ له ياقلبُ صبرًا فقالَ لي … حَنانَيكَ إني نَحوهُنَّ أسيرُ

عسى الله يدني للمحبين أُوبةً … فتشفي قلوبٌ منهمُ وصدورُ

وكم من قصيّ الدار أمسى بحزنه … فأعقبه عند الصباح سرورُ

ثم لجأ إلى بلد العناب ثم بجاية وبعث ولده كما ذكر إلى أبي سعيد عثمان والد سلطانها الآن يستصرخ به، فطلع إلى قريب تلمسان لنصرته ثم رد لمرض عرض له وأوصى ولده السلطان أبا الحسن الآتي ذكره في خبر بر العدوة بإتمام ما بدأ به من نجدتهم. ثم إن صاحب إفريقية بعث الشيخ العارف أبا الهادي إلى صاحب تلمسان


= بعده ونسب جميعها إلى الأمير الحفصي أبي العباس أحمد الذي كان متوليًا إفريقية في عصره (من سنة ٧٧٢ إلى سنة ٧٩٦). وهو محض إذ إن مؤلفنا العمري نسب هذه الأبيات كلها إلى السلطان الحفصي في وقته وهو المتوكل على الله أبو بكر المتقدم الذكر. فلينتبه. (حسني).

<<  <  ج: ص:  >  >>