للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وشجعان الفرسان ترد علينا من أخباره ما يراوح النسيم، ويفاوح التسنيم، تدارك الله به أهل الأندلس، وقد جاذبت معاقلهم الكفار، وثبت مدنهم وهي على شفا جرف هار. قد أجرى الله على يديه أجر بقائها في يد الإسلام، واستوقف به طغيانها وقد آذنت بسلام.

وهو في هذا الطرف ماسك بأوتاده، سالك فيه سبيل جهاده، راد لأعداء الله عن منى أطماعهم. ما لاذ به خائف إلا أجاره، ولا أمله آمل فخاب ظنّه، وقد وسع الخلق بخلقه، وجمع أممهم على ما أطعمه الله من رزقه.

ولقد حدثني غير واحد عن خلقه وخلائقه الرضية، وآثاره الوضية، وكمالاته التامة وفضائله المنقية المرضية، ما لحق به مَنْ سلف مِنَ السلف وهو ممن لا يثنى له عن الجهاد عنان، ولا يغمد له سيف ولاسنان حتى يسترد باقي ضالته المفقودة، وما أستولى عليه العدو من الأندلس من البلاد وجدير بمن هذه نيته أن يسهل الله له ببلوغ مرامه، واستكمال ما بقي في أيامه.

وهو رجل قتل الأيام، وفتل غارب الأنام، وخالط العلماء وتأدب بآدابهم، وخالل الشجعان وزاد عليهم، لو صدع الحجر لأنفذه، او صدف المتردي من السماك لا نقده. لا يلتفت طرفه إلى ما نبذه ولا إلى ما تركه من الدنيا، أو ما أخذه، فلو رمى البحر لما زخر زاخره، أو قذف الزمان لما دارت دوائره، وقد أحيا حوله من حوله من صنائع آبائه، من اتبعهم بهم من صنائعه، أسود غيل، وجنود صرير وصليل. لا يبدرهم صدى جبل إلى إجابة صريخ، ولا يخبرهم بألطاف المتجدد سمع فرس يصيح بهمم غطت على من تقدم، وآنست عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم.

وأما كيفية انتقال الملك إليه، فنقول - وبالله التوفيق -: إنَّ هذا السلطان ولد بفاس سنة ست وثمانين وستمائة، وأخذ الملك عن أبيه أبي سعيد عثمان. كان قد عهد إليه لما غضب على أخيه أبي علي عمر. وكان عمر الموشح عند أبيه أولًا حتى خرج عمر على أبيه وغلبه على فاس، ثم أخذها أبوه منه وحاصره في المدينة البيضاء مقدار خمسة أشهر. وكان عمر في هذه المدة ضعيفًا فدخل العلماء والصلحاء بينهما فأعطاه سجلماسه وأصار ولاية العهد إلى هذا السلطان أبي الحسن علي.

ثم تغير عليه بسبب جرحه لقمر خادمه، وهي التي بيدها مفاتيح بيت المال، وذلك أن أباه أبا سعيد عثمان سافر لزيارة ضريح سلفه بشالة، وهو موضع على مقربة من سلا - وترك ولده عليًا خلفًا منه بفاس فاحتاج إلى شيء هو في بيت المال فأراد أخذه وطلب من قمر المهاجرة المفاتح فأبت أن تمكنه من ذلك، ولا أن تبلغه هنالك، فاغتاظ عليها وجرد سيفًا كان معتقلًا به فجرحها فبلغ ذلك أباه فغاظه ما سمع فكتب كتابًا

<<  <  ج: ص:  >  >>