للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كثرة التقبيل خضرتها. وبدت ولاهي بيض ولاجون. وغدت تنتشي وما قطعت بها عناقد النواصي ولا عصرت من أعطافها ابنة الزرجون. ومن بلق كرام ما قعدت بها هجنة. ولا بعدت عن شبهين أخذت من كل منهما حسنه. لا كما يقال إن الطبيعة قصرت في إنضاجها. ولا إن حسنها كله ذهب في ديباجها، بل كل منهما علم على صاحبه يعرف به إذا ركبه. ويحلف أنه اقتاد الروض وتوقل منكبه. منها ما يقابل بين صباح وظلام. ومنها ما ماثل بين البياض والحمرة خدَّ غُلام. فأما الأول فقد طلع منظرًا حسنا، وجمع بين ضدين لما اجتمعا حسنا (١). كأنه توليع السحب وترضيع السخب. أو قطع ليل يهزّ بالشهب، أو نقع حرب ظهر في وجوه لمعان القضب. في كل منهما ما أظلم وما أنار. وما أظل جانبي الأرض ففي وقت واحد في هذا ليل وفي هذا نهار. وأما الثاني وكأنه اختلاط ماء وراح، واختلاف مجاري شفق على صباح. لايقاس بها البرق وهو أحقر، ولا يشبه به إلا كان هو (إلى) التشبيه بها أفقر. ولا يبالغ واصفه إلا قال كظهر الحصان الأنبط البطن يكشف الجُلَّ واللون أشقر (٢). ومما سوى ذلك جميعه من ألوان الخيل مما يمزج من أحمر يقق، وأصفر أصيل، وأخضر سحر، وأشهب نهار، وأدهم ليل. ومنه كل ديزج، ذلك بفيروزج. كأنما لون من ماء يتموج، أو كون من سماء صدره بصداد على سناه ينسج. وأصدأ لا يقدر جون الغمام لمعارضته يتصدى. وأكهب لاهو كالأحمر أو كالأشهب. وهي فتية وما فيها إلا عتيق، وكثيرة وما فيها إلا ما هو قليل كالصديق (٣). ما استنكرها إلا من تجرب، ولا استكبرها إلا من جاء بنقعها في وجه المساء يترب. وكأنما عنيتها في قصيدة كنت في وصف الخيل بنيتها، وهي: [من الخفيف]

أقبلت في ميدانها تتجارى … هي والريح في المدى تتبارى

ودعت سائق العمائم للسَبْـ … ـقِ فأضحى بذيلها يتواري


(١) صدر بيت لدوقلة المنبجي، نصّه الكامل:
ضدان لما استجمعا حَسُنَا … والضد يُظهِرُ حُسْنَه الضد
(٢) من قول الشاعر:
«القصيدة اليتيمة ٣٠».
كلون الحصان الأنبط البطن قائمًا … تكشف عنه الجل واللون أشقر
(٣) من قول المتنبي:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة … وإن كثرت في عين من لا يجرب
«ديوانه بشرح العكبري ١/ ١٨٠».

<<  <  ج: ص:  >  >>