للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليه من حيث الأعداء الجرائر. كأنما رضعت زرق اليواقيت، أو علت قرى نمل أو قرى رمل لها فيها آثار مخافيت، وقد اعتقلوا من عوالي الرماح كل ردينية سمراء ما ماس مثلها قد، ولا مال أهيف ولعب مثلها دست يد عواسل قصبها المران، عوامل شهبها تعمل في أطرافها النيران تطاولت لتثقب در الكواكب أو لتنقب سد السحائب. ثم رأت أنه لا تروى بغير الدماء حوائم أسنتها العطاش، ولا يقوم بكفايتها إلا ورود الوريد لا من المطر الرشاش فرمت على لبات الرجال عنقها، وبلت صداها ونقعت غليلها، وما رويت من دماء أعدائها، ما دارت دوائرها على عدو إلا وخاف أن يصعد على أسوارها أو يتسور، ولا صبحت بصاعها ذا عنق إلا تطاير بها وتشاءم بكعبها المدور. ورأيت من الرجال في تلك البيد صقورًا تحمي محارمها، وسيولًا تطم فجاجها ليوثًا ضراغم، وعقبانًا كواسر، وأبطالًا لا تعبأ بمن لاقت ورجالًا لا تبالي أين نزلت. تدخل على عزيز قوم بلاده، وتحمي عليه أرضه، وترد دونه ماءه وتمنعه شربه. وترد عليه قوله، وتصد عنه قومه. وتأخذ ماله إذا شاءت غصبًا وتقسمه اقتسامًا لانهبًا، لا تحوش في ليل ولا تجتمع في نهار. كفتها المهابة أن تخاف والمنعة أن تتوقى. فإذا سارت قلت الشهب سارت، والسحب سالت والجبال مادت، والرمال مالت. تركب النجب، وتجنب الجياد فتختال الأرض في حلية السماء ببدور أخفاف المطي وأهلة حوافر الخيل، ونجوم أسنة الخرصان توطأ لهم الرواحل، وتطوى بهم المراحل. وتبدو ركائبهم كأنها قلل جبال أو حلل نزال، يتسع مجال الرياح بين فروجها، وترتفع طوال الرماح فوق بروجها، تمد أعناقها طلبًا لقرب المنزل، وتجد أشواقها إلى أرض وتصبح [عنها] بمعزل كأنها لتمام الخلق بنيان، [أو لإكام الأرض تبيان]. لايقر بعينها الزئبق المتدحرج، ولا في بينها سيرها المتلجلج. يتثنى راكبها كأنه شارب ثمل، ولا يستقر كأنه بارق عمل، ركب من الإبل السحاب وهو محتفل ووثب وكأنه لتمايلها يتخبط تخبط الظبي في أشراك محتبل، من امتطاها وركبها أضرم نشاطه، ومن استبطأها فضرها ظلمها وظلم بالضرب لها سياطه. والأكوار تتراءى عليها كأنها أهلة على غمام والمجرة البطان والجوزاء الزمام. وأمامهم الظعائن تجري بها في الآل السفائن وقد شد كل هودج على كور راحلته الثريا، وسعد بسعدى وطاب بريا. فسايرتها نظرات الأحداق، وعادت ولم تحرج، وعاجت وما وقف لها سائق الركب ولا عاجت ربة الهودج (١). فما فازت إلا من بعيد بنظرة، ولافاءت إلا وبين الجوانح حسرة. وتعرض


(١) معنى مأخوذ من بيت لعبد الله بن عمرو بن عثمان المعروف بالعرجي:
عُوجي علينا ربةَ الهَوْدَجِ … أَنَّكِ إِنْ لا تفعلي تخرجي
«الأغاني ١/ ٤٠٦».

<<  <  ج: ص:  >  >>