وقال نافع: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحف عثمان لأصلحه، فقلت له: إنَّ الناس يقولون: إنَّ مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على قوله ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، قال نافع: فنظرت عيني الدم على ذلك.
ولما حضرت نافعًا الوفاة، قال له أبناؤه: أوصنا، قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢) الآية.
وتوفي سنة تسع وستين ومائة، وهو معدود في صغار التابعين وأهله من أصبهان، وكان أسود اللون حالكًا، صاحب دعابة، وطيب أخلاق.
ومنهم:
[١١] إسماعيل بن عبد الله بن قُسْطَنْطِين، أبو اسحاق المخزومي (٣)
مولاهم المكي المقرئ المعروف بالقسط. قارئ أهل مكة في زمانه، وآخر أصحاب ابن كثير وفاء، وأول أمثاله فضلًا، إذا قدم به كفاه. تصدَّر في البلد الحرام، وتصدى حيث يأمن الحمام، وكان في مكة واحدًا ضمَّه حرمها، وأرضعه زمزمها، وآواه البيت العتيق إلى حجره، وأضاء ليل الحجر الأسود بتبلج فجره، وعرفه ركن الخطيم، وألفه؛ لتقلب وجهه في السجود مقام إبراهيم، وأخرج شُعَبُ بني مخزوم له عن سكنه، وتُنُحِّي له سهم بني سهم عن سِنّه، وتبدل منه بالمعاصي الطائع، وعوّض عن ذي النسب الصريح بخير منه، مولى يُقْرِئ الأمي، ويُقْرِيء الجائع.
عرض على ابن كثير، وعلى صاحبيه: شبل بن عباد، ومعروف بن مشكان، وأقرأ الناس دهرًا.
وكان الناس يجيئون بمصاحفهم، فيصلحون بقراءته، وكان يجلس على موضع مرتفع.
(١) سورة البقرة: الآية ١٣٧. (٢) سورة الأنفال: الآية ١. (٣) ترجمته في: الجرح والتعديل ٢/ ١٨٠ رقم ٦١١، العبر ١/ ٣٠٥، معرفة القراء الكبار ١/ ١٤١ - ١٤٤ رقم ٣٠٥، الوافي بالوفيات ٩/ ١٤٦ رقم ٤٠٤٩، العقد الثمين للفاسي ٣/ ٣٠٠ - ٣٠١، غاية النهاية لابن الجزري ١/ ١٦٥ - ١٦٦ رقم ٧٧١، شذرات الذهب ١/ ٢٣٦، تاريخ الإسلام (السنوات ١٨١ - ١٩٠ هـ) ص ٧٠ رقم ١٩.