للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما سافر على البريد إلى القاهرة سنة سبعمائة، نزل عند عمي الصاحب شرف الدين - تغمده الله برحمته وحض على الجهاد في سبيل الله، وأغلظ في القول، ورتب له مُرتَب في كل يوم وهو دينار ومنحفية، وجاءته بقجة قماش، فلم يقبل من ذلك شيئًا.

وقال القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيتُ رجلًا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد، ويدع ما يريد.

وحضر عنده شيخنا العلامة شيخ النحاة أبو حيان، وقال: ما رأت عيناي مثله، ثم مدحه أبو حيان على البديهة في المجلس بقوله: [من البسيط]

لمَّا أَتَيْنَا تَقِيُّ الدِّينِ لَاحَ لَنَا … دَاعِ إِلَى اللهِ فَرْدٌ مَا لَهُ وَزَرُ

عَلَى مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْما الألَى صَحِبُوا … خَيْرَ البَرِيَّةِ نُورٌ دُونَهُ القَمَرُ

حَبْرٌ تسربل منهُ دهرُهُ حِبَرًا … بحرٌ تَقَاذَفُ مِنَ أَمْوَاجِهِ الدِرُ

قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِرْعَتِنَا … مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمِ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ

فَأَظْهَرَ الحَقَّ إِذْ آثَارُهُ دَرَسَتْ … وَأَحْمَدَ الشَّرَّ إِذْ طَارَتْ لَهُ الشَّرَرُ

كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْ حَبْرٍ يجيءُ فَهَا … أَنْتَ الإِمَامُ الَّذِي قَدْ كَانَ يُنْتَظَرُ

[قلت: ثم دار بينهما كلام جرى فيه ذكر سيبويه، فتسرع ابن تيمية فيه بقول نافره عليه أبو حيان، وقطعه بسببه، ثم عاد اكثر الناس ذمًا له، واتخذه له ذنبًا لا يغفر].

ولما قدم غازان دمشق، خرج إليه ابن تيمية في جماعة من صلحاء الدماشقة، منهم القدوة الشيخ محمد بن قوام؛ فلما دخلوا على غازان، كان مما قال ابن تيمية للترجمان: قُلْ للقان: أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاض، وإمام، وشيخ، ومؤذنون، على ما بلغنا، فغزوتنا، وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما عملا الذي عملت. عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت.

[وجرت له مع غازان، وقطلوشاه، وبولاي أُمور ر ونوب قام فيها كلها الله، وقال الحق، ولم يخش إلا الله.

أخبرنا قاضي القضاة أبو العباس ابن صصرى انهم لما حضروا مجلس غازان، قدّم لهم طعام، فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل له: لم لا تأكل؟، فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس.

ثم إن غازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وجهادًا في سبيلك، فأن تؤيده وتنصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر، فأن تفعل به وتصنع - بدعو عليه - وغازان يؤمن على دعائه، ونحن نجمع ثيابنا خوفًا أن يقتل فنطرطش بدمه.

ثم لما خرجنا قلنا له: كدت تهلكنا معك، ونحن ما نصحبك من هنا، فقال: وأنا

<<  <  ج: ص:  >  >>