للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ربك، ووحده وحده تنصر، قال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، ثم ما زال يقبل تارة على الحليفة، وتارة على السلطان، ويهدئهما، ويربط جأشهما، حتى جاء نصر الله والفتح.

وحكي انه قال للسلطان: اثبت فأنت منصور، فقال له بعض الأمراء قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، فكان كما قال.

وحكى أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزاز البغدادي، قال: حدثني الشيخ المقرئ تقي الدين عبد الله بن أحمد بن سعيد قال: مرضت بدمشق مرضة شديدة، فجاءني ابن تيمية، فجلس عند رأسي - وأنا مثقل بالحمى والمرض - فدعا لي، ثم قال: قم، جاءت العافية، فما كان إلا أن قام وفارقني، وإذا بالعافية قد جاءت، وشفيت لوقتي.

قلتُ: وكان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافًا ومئين لا يلمس درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجة له، وكان يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألف القلوب، ولا ينسب إلى باحث لديه مذهبًا، ولا يحفظ لمتكلّم عنده زلة، ولا يشتهي طعامًا، ولا يمتنع من شيء منه، بل هو مع ما حضر، لا يتجهم مرآه، ولا يتكدر صفوه، ولا يسأم عفوه].

وآخر أمره أنه تكلم في مسألتي الزيارة والطلاق، فأخذ وسجن بقلعة دمشق في قاعة، فتوفي بها في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وحضر جمع كبير إلى القلعة، وأذن لبعضهم في الدخول، وغُسل، وصلّي عليه بالقلعة، ثم حمل على أصابع الرجال إلى جامع دمشق ضحوة النهار، وصلي عليه، ودفن بمقبرة الصوفية، وما وصل إلى قبره إلا وقت العصر. وخرج الناس من جميع أبواب البلد، وكانوا خلقًا لا يحصيهم إلا الله تعالى، وحزر الرجال بستين ألفًا، والنساء بخمسة آلاف امرأة، وقيل، أكثر من ذلك.

ورويت له منامات صالحة، ورثاه جماعات من الناس بالشام، ومصر، والعراق، والحجاز، والعرب من آل فضل عليه -.

ورثيته بقصيدة لي وهي: [من البسيط]

أَهَكَذَا بِالدَّيَاجِي يُحْجَبُ القَمَرُ … وَيُحْبَسُ النُّورُ حَتَّى يَذْهَبَ المَطَرُ

أَهَكَذَا تَمْنَعُ الشَّمْسُ المُنِيرَةُ عَنْ … مَنَافِعِ الْأَرْضِ أَحْيَانًا فَتَسْتَتِرُ

أَهَكَذَا الدَّهْرُ لَيْلًا كُلُّهُ أَبَدًا … فَلَيْسَ يُعْرَفُ فِي أَوْقَاتِهِ سَحَرُ

أَهَكَذَا السَّيْفُ لَا تَمْضِيْ مَضَارِبُه … وَالسَّيْفُ فِي الفَتْكِ مَا فِي عَزْمِهِ خَوَرُ

أَهَكَذَا القَوسُ تُرْمَى بِالعَرَاء … وَمَا تَمْضِي الرَّمَايَا وَمَا فِي بَاعِهَا قِصَرُ

أَهَكَذَا يُتْرَكُ البَحْرُ الخِضَمُّ وَلَا … يُلْوَى عَلَيْهِ وَفِي أَصْدَافِهِ الدُّرَرُ

<<  <  ج: ص:  >  >>