ولد بفاس يوم الجمعة، السابع عشر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وانتقل إلى الديار المصرية، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حجّ ودخل الشام، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة. وكان لا يقبل لأحد شيئًا، ولا يرتزق على الإقراء، واتفق بمصر مجاعة شديدة، فمشى إليه أجلاء المصريين، وسألوه قبول شيء فامتنع، فأجمعوا رأيهم أن يخطب أحدهم البنت التي له، وكان يعرف بالفضل بن يحيى الطويل، وكان عدلًا بزازًا في القاهرة، فتزوجها، وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه، وبقي منفردًا ينسخ ويأكل من نسخه. [وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئًا.
قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه، به، فقال: اجعله على ذلك الوتد، فأقام ثلاثين سنة موضعه]. وتوفي في أواخر المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر، ودفن في القرافة الصغرى، وقبره يزار بها.
قال ابن خلكان (١): «زرته ليلًا فوجدت عنده أنسًا كثيرًا»، رحمه الله تعالى.
وكان - رحمه الله تعالى - يقول:«أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب ﵁»، أشار إلى أن الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب.
وذكر في كتاب «الدول المنقطعة»(٢) في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر: إن الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهر في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة، فلم يمكن من ذلك، وتولى غيره.
ومنهم:
[[٨٨] ابن بلج]
وأصله من مدينة قرطبة، وكان علم عرفان، وعمل نجم له اسناد خفان، إلى تعبد عمر ما بين عرفات وعسفان، وتهجد بكرى النجوم ولا يغمض له أجفان. ذكره ابن عربي وقال: كان يطوف ويهدي لغيره، فخطر له يومًا أن يطوف لنفسه أسبوعًا
(١) وفيات الأعيان ١/ ١٧١. (٢) تأليف ابن ظافر الأزدي (ت ٦٢٣ هـ)، يقع في نحو أربع مجلدات «كشف الظنون ١/ ٧٦٢»، والنص هنا في وفيات الأعيان ١/ ١٧١.