قال إسحاق بن علي الرهاوي في كتاب «أدب الطبيب» عن عيسى بن ماسه الطبيب، قال: أخبرني أبو زكريا يوحنا بن ماسويه أنه اكتسب من صناعة الطب ألف ألف درهم، وعاش بعد قوله هذا ثلاث سنين أخر. وكان الواثق مشغوفًا ضنينًا به، فشرب يومًا عنده فسقاه الساقي شرابًا غير صاف ولا لذيذ، على ما جرت به العادة، وهذا من عادة السقاة إذا قصر في برهم. فلما شرب القدح الأول قال: يا أمير المؤمنين، أما المذاقات، فقد عرفتها واعتدتها، ومذاقة هذا الشراب فخارجة عن طبع المذاقات كلها، فوجد أمير المؤمنين على السقاة، وقال: تسقون أطبائي، وفي مجلسي، مثل هذا الشراب وأمر ليوحنا بهذا السبب، وفي ذلك الوقت، بمائة ألف درهم ودعا بسمانة الخادم، وقال له: احمل إليه المال الساعة، فلما كان وقت العصر سأل سمانة الخادم هل حمل مال الطبيب أم لا؟ فقال: لا، بعد، فقال: يحمل إليه مائتا ألف درهم الساعة. فلما وصلوا العشاء، سأل عن حمل المال فقيل له: لم يحمل بعد، فدعا بسمانة وقال: احمل له ثلاثمائة ألف درهم. فقال سمانة لخازن بيت المال: احملوا مال يوحنا وإلا لم يبق في بيت المال شيء. فحمل إليه من ساعته.
قال سليمان بن حسان: كان يوحنا بن ماسويه مسيحي المذهب سريانيًا. قلده الرشيد ترجمة الكتب القديمة مما وجد بأنقره وعمورية وسائر بلاد الروم حين سباها المسلمون، ووضعه أمينًا على الترجمة، وخدم هرون والأمين والمأمون، وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل. قال: وكانت ملوك بني هاشم لا يتناولون شيئًا من أطعمتهم إلا بحضرته، وكان يقف على رؤوسهم ومعه البراني بالجوارشنات الهاضمة المسخنة الطابخة المقوية للحرارة الغريزية في الشتاء، وفي الصيف بالأشربة الباردة والجوارشنات.
وقال ابن النديم البغدادي الكاتب: إن يوحنا بن ماسويه خدم بصناعة الطب المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل.
قال يوسف بن إبراهيم: كان مجلس يوحنا بن ماسويه أعمر مجلس كنت أراه بمدينة السلام لمتطبب أو متكلم أو متفلسف؛ لأنه كان يجتمع فيه كل صنف من أصناف أهل الأدب، وكان يوحنا ذو دعابة شديدة، يحضر بعض [من] يحضر لأجلها. وكان من ضيق الصدر، وشدة الحدة على أكثر مما كان عليه جبريل بن يختشيوع. وكانت الحدة تخرج منه ألفاظًا مضحكة، وكان أطيب مجلسه في وقت نظره في قوارير الماء، وكنت وابن حمدون بن عبد الصمد بن علي الملقب بأبي العيرطود، وإسحاق بن إبراهيم بن محمد بن اسماعيل الملقب ببيض البغل، وقد توكلنا به نحفظ نوادره وأظهرت له التلمذة