للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يوحنا في اليوم الثاني من شوال من هذه السنة، وأنا أعاتبه على تخلفه عن حضور الدار، في ذلك الوقت، لأني رأيت سلمويه وبختيشوع والحريش المتطببين، وقد وصلوا، إذ دخل علينا غلام من الأتراك الخاصة ومعه قرد من القرود التي أهداها ملك النوبة لا أذكر أني رأيت أكبر منه جثة وقال له: يقول لك: أمير المؤمنين زوج هذا القرد من «حماحم» قردتك وكان ليوحنا قردة يسميها حماحم، كان لا يصبر عنها ساعة.

فوجم لذلك ثم قال للرسول: قل لأمير المؤمنين اتخاذي لهذه القردة غير ما توهمه أمير المؤمنين، وإنما دبرت تشريحها لأجل وضع كتاب على ما وضع جالينوس في التشريح يكون وضعي إياه لأمير المؤمنين، وكان في جسمها ضعف فخفت أن تكون العروق فيها، والأوراد والعصب دقاقًا، فلم أطبق في إيضاح الأمر فيها مثل إيضاحها فيما عظم جسمه، فتركتها لتكبر ويغلظ جسمها، فأما إذ قد وافى هذا القرد فسيعلم أمير المؤمنين أني سأضع له كتابًا لم يوضع في الإسلام مثله. ثم فعل ذلك بالقرد فظهر له منه كتاب حسن استحسنه أعداؤه فضلًا عن أصدقائه.

قال يوسف واعتل محمد بن سليمان بن الهادي المعروف بأبي مشغوف علة تطاولت به، وكان أبو العباس بن الرشيد يلزم يوحنا ويتعاهده، وكان محمد بن سليمان ربما يزيد في الحديث أشياء لا يخيل باطلها على سامعها. فدخل إليه يومًا وأنا عنده، فاستشاره فيما يأخذ فقال يوحنا: قد كنت أشير عليك بما تأخذ في كل يوم وأنا أحسبك تحب الصحة والعافية، فأما إذا صح عندي أنك تكره العافية وتحب العلة فلست أستحل أن أشير عليك بشيء. فقال له أبو مشغوف: يا جاهل من يكره العافية ويحب العلة؟ فقال له يوحنا: أنت والبرهان على ذلك أن العافية في العالم تشبه الحق والسقم يشبه الكذب، وأنت تتكلم أكثر دهرك بالكذب، فيكون كذبك مادة لسقمك فمتى تبرأ أنت من عدة متطاولة، وأنت تمدها أكثر دهرك بالكذب فيكون كذبك زائدًا فيها، فالزم الصدق ثلاثة أيام ولا تكذب فيها، فيوحنا بريء من المسيح، إن لم تخرج من هذه العلة قبل انقضاء هذه الثلاثة الأيام.

ونقلت من كتاب الهدايا والتحف لأبي بكر وأبي عثمان الخالديين قالا: حدثنا أبو يحيى، قال: اقتصد المتوكل، فقال لخاصته وندمائه اهدوا إلي يوم فصدي، فاحتفل كل واحد منهم في هديته. وأهدى إليه الفتح بن خاقان جارية لم ير الراؤون مثلها حسنًا وظرفًا وكمالًا، فدخلت إليه ومعها جام ذهب في نهاية الحسن، ودن بلور لم ير مثله فيه شراب يتجاوز الوصف، ورقعة فيها مكتوب: [من الوافر]

إذا خَرجَ الإمامُ مِنَ الدواء … وأعقب بالسلامة والشفاء

<<  <  ج: ص:  >  >>