وعملت في الأبيات لحنا. فلم نزل نشرب عليه يومنا وليلتنا. وأخذتُ فيها معنى فقلت:
وبات يسقينا جنانيةً … ضنَّتْ بها الشمس على النار!
دير العذارى (١): وهو بين سُرَّ مَنْ رأى وبغداد، بجانب العلث على دجلة، في موضع حسن. فيه رواهب عذارى. وكانت حوله حانات للخمارين وبساتين ومنتزهات. لا يعدم من دخله أن يرى من رواهبه جواري حسان الوجوه والقدود، والألحاظ والألفاظ.
قال الخالدي: ولقد اجتزت به فرأيته حسنا، ورأيتُ في الحانات التي حوله خلقا يشربون على الملاهي. وكان ذلك اليوم عيدًا له. ورأيت في جُنيْناتٍ لرواهبه جماعةً يَلْقُطْنَ زهر العُصْفُر، ولا يماثل حمرة خدودهنّ. ثم إن دجلة أهلكته بمدودها، حتى لم يبق منه أثر. ولجحظة فيه أخبار وأشعار؛ لأنه كان مَعَانه ومأواه، وإليه ينجذب به هواه. وفيه يقول ابن المعتز (٢):
(١) انظر: الديارات للشابشتي ١٠٧ - ١٤٧، الديارات للاصفهاني ١٢١ - ١٢٢، معجم البلدان ٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣، مادة دير العذارى معجم ما استعجم ٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩، آثار البلاد ٣٧١ - ٣٧٢، البدور المسفرة ١٩ - ٢٠. (٢) عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي، أبو العباسي: الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة. ولد في شعبان سنة ٢٤٧ هـ/ ٨٦١ م ببغداد، وأولع بالعلم والأدب، درس على شيخي العصر أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب العالمين اللغويين المعروفين المتنافسين؛ كما درس على غيرهما. وكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم. واستمع إلى جمهرة من العلماء بالنحو والأخبار فاستفاد كثرة السماع وغزارة الرواية، وعني بصورة خاصة بالأدب وقرض الشعر عناية أكسبته الشهرة؛ وكان عالمًا بفنون الآداب وشاعرًا مطبوعًا قريب المأخذ، سهل اللفظ حسن الإبداع والابتكار، وله في شعره تشبيهات رائعة وقد ضم شعره أغراضًا مختلفة من الشعر الرائق، وظهرت مشاعره طافية على شعره وإن أشبه بعضها الزبد الطافي. ولم يخف ابن المعتز انحرافه عن العلويين؛ بل وانصرافه إلى النيل منهم! .. وكان - كما يبدو - يُحس به في قرارة نفسه ثم يعلنه في شعره، ولا يستغرب منه ذلك فقد كان جده مقتداه ومتولاه في هذا الباب أو هذا الافتئات والسباب!! وكانت خاتمة حياته غريبة! ففي خلافة المقتدر اتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد وأعوانه، وقرروا خلع المقتدر ليحتل مكانه؛ وخلعوا المقتدر لعشر أو سبع بقين من ربيع الأول سنة ٢٩٦ وبايعوا عبد الله ابن المعتز ولقبوه «المرتضى بالله» أو غير ذلك من الألقاب .. ولكنه لم يتمتع بالخلافة أكثر من يوم وليلة! لأن أصحاب المقتدر تحزبوا وحاربوا أعوان ابن المعتز فشتتوهم وأعادوا المقتدر إلى سابق مكانته فاختفى ابن المعتز في دار أبي عبد الله الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص التاجر الجوهري، فأخذه المقتدر وسلمه إلى =