فقال: إن غرقنا، أليس نكون شهداء الطرب؟
دير سابر (١) - وهو في الجانب الغربي من دجلة بين المزرفة والصالحية، في بقعة كثيرة البساتين والكروم والثمار والحانات والخمارين، معمورة بأهل الطرب. والدير حَسَنٌ عامرٌ. ولابن الضحاك (٢) فيه: [من الكامل]
وعواتق باشَرْتُ بين حدائق … ففَضَضْتُهنَّ وقد غَنِينَ صحاحا
أتبَعْتُ وخَزَةَ تلك وخَزَة هذه … حتى شربت دماءهن جراحا
أبرزتهن من الخُدُور حواسِرًا … وتركتُ صَونَ حريمهن مُباحا
في دير سابر والصباح يلوح لي، … فجمعت بدرًا والصَّباح وراحا
ومنعم نازعتُ فَضْلَ وِشاحه … وكسوته من ساعدي وشاحا
فاذهب بظنَّك كيف شِئتَ فَإِنَّهُ … مما اقترفتُ لَذَاذة وجماحا
وأورد الشابشتي فيه للحسين بن الضحاك أخبارًا ظرافًا، وأنشد له أشعارًا لطافًا. منها (٣): [من الوافر]
أما ناجاك بالوتر الفصيح … وأَنَّ إليكَ منْ قَلْبِ الجريح؟
فليتكَ حِينَ تَهْجُرهُ ضِرارًا، … مَنَنْتَ عليه بالقتل المُريح
بحسنك كان أوّلُ حُسنِ ظني، … أما ينهاك حسنك عن قَبِيحِ؟
أَلا يَا عُمَيْرُو هَلْ لَكَ بِنْتُ كَرَمْ؟ … فَسَلْمَ إِلَى صَفْصَفَةٍ كُلُّ رُوحٍ
فَقَامَ عَلَى تَخَاذُلِ مُفْلِشِيهِ … وَسَلْسَلَهَا كَأَزْدَاجِ الدَّبِيجِ
وَاتْبَعَ سَكْرَةً سَلَفَتْ بِأُخْرَى … وَحَلَّى الضَّفُو لِلنَّحْرِ الشَّجِيعِ
وحكى عنه قال: كنا عند المتوكل في يوم نوروز، والهدايا تعرض عليه فيها تماثيل من عنبر. وكان شفيع الخادم واقفا، عليه قباء مورد ورداء مورد، وهو فيهما من أحسن الناس وجها. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعةً قطعة من ذلك العنبر، ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده. فيفعل ذلك. ثم كان آخر ما دفع إلي وردة حمراء حياني بها. فقلت (٤): [من الطويل]
وكالوردة الحمراء حَيَّا بأحمر … من الورد، يسعى في غلائل كالوَرْدِ
له عَبَاتٌ عند كل تحيَّةٍ … بكفيه تستدعي الخلي إلى الوَجْدِ
(١) انظر: معجم البلدان ٢/ ٥١٣ - ٥١٤ مادة (دير سابر)، الديارات للشابشتي ٥٤ - ٦١.
(٢) أشعاره ٣٧.
(٣) أشعاره ٢٣٦.
(٤) أشعار الحسين بن الضحاك ٤٣.