قال الخالدي: والذي يُظن أنه كان ممن على دين المسيح ﵇ وأنه هرب بدينه، فمات في هذا الموضع، ودفن فيه.
قال: وبين هذا الدير وبين الموصل وادٍ يُعرف بوادي زَمَّار، عليه رابية تُعرف برابية العقاب، تُشرف على دجلة والبساتين والجزائر والنهر. وهي غاية في الربيع. وقال فيه (١): [من المتقارب]
ألَسْتَ تَرى التل يُبدي لنا … طرائف من صنع آذاره؟
وقد نقط الزهرُ خَدّ الثرى … بدِرْهَمه وبديناره
وكتب في لازورد الدُّجى … بِزَنْجُفره وبزنجاره
فلا تَلْقَ كأسًا بتأخيرها … ولا يومَ لهو بإنظاره
قال: وكان جحظة قد أنشدني لنفسه في دير العلث قوله (٢): [من البسيط]
سَقْيًا ورَعْيًا لدير العَلْثِ من وَطَنٍ! … لا ديرِ حَنَّةَ من ذاتِ الأكيراح
أيام، أيام لا أصغى لعادلة، … ولا تردُّ عِنَانِي جَذْبَةُ اللاحي
فاستحسنتها، وذكرت قول أبي نواس في دير حنة، وهي في عروضها وقافيتها، فقلتُ (٣): [من البسيط]
مَحاسِنُ الدير تَسْبِيحِي ومِسْباحِي، … وخمره في الدُّجى صُبحي ومصباحي
بُسْطُ البَنَفْسَج … تبسط في … صحون آسٍ وخَيْرِيَّاتِ تُفَّاح
بدائع لا لَدَيْرِ العَلْثِ هُنَّ ولا … لدَيْرِ حَنَّةً من ذاتِ الأَكَيْراحِ
حتى تخمرَ خَمارى بِمَعْرِفَتِي … وحبَّرَتْ مُلَحِي بالسُّكْر مَلاحِي
أبا مَخايَال، لا تعدَمْ ضُحًى ودُجى … سجال كلِّ مُلِثُ الوَدَقْ سَحَاحٍ
فإِنْ أُقِمْ سُوقَ إطرابي، فلا عَجَبٌ … هذا بذاك إذا ما قَامَ نُوَّاحي!
قال: وكان في هذا الدير خمار، يقال له الحارث، ويكنى أبا الأسد، معروف بجودة الشراب؛ وكان المُجان من أهل الموصل يقصدونه.
وكان له ابن حسن الوجه، مهَفْهَف القوام، خفيف الروح، يقال له عبد المسيح،
(١) ديوان الخالديين ٦٢.
(٢) ديوانه ٦٧.
(٣) ديوان الخالديين ٣٧ - ٤٠.