بيتي، فورد عليَّ ما أسهرني، لأنَّ المال لم يكن عندي، ولم اكن أقدر على احتياله في ذلك الوقت القريب، فضربت الأمر ظهرًا لبطن، فلم أجد غير يحيى بن خالد، فبكرت إليه، فاستأذن لي بالحاجب، فدخلت وفي يده المسواك، فلما رآني، سر وابتهج، وقال: أحسنت والله أحسنت اليوم نوبتي ونوبتك، فنأخذ في أمرنا ولا ندخل معنا غيرنا! فقلت له: يا سيدي الحمد لله الذي وفقني لمحبتكِ، ولكني والله بكرت لغير ذلك، قال: وما هو؟ قلت كتب إليَّ وكيلي البارحة بكذا وكذا، ووالله لا أقدر على المال، ولم أجد من أفزع إليه غيرك، فبكرت أسألك استلافه لي من بعض المعاملين لترده تحت يدك من رزقي، قال: دعنا الآن من هذا، ودع وهات يا غلام ما حضر، فجيء بالطعام وأكلنا، وأنا كأني أكل لحمي، ثم رفع وجيء بالشراب، وأنا في فكري، فلما كان وقت العصر، وقد أيست، وعلمت أنَّ الحيلة قد قلت، وأني أحتاج أن أحضر غدًا الدار، قال: يا إبراهيم عندك صبية تغنّي؟ قلت: لا والله يا سيدي. قال: ولا لبعض الجواري والأهل؟ فقلت لا. ثم ذكرت صبية لبعض أمهات أولادي ما وضعت يدها على العود إلا أنَّها مطبوعة ولها حُلَيْقٌ، فقلت: صبية ريض، وليست بشيء! قال: لا تبال يبكر إليك من يطلبها منك وإياك أن تقصر عن مائة ألف دينار! قلت: يا سيدي إنما قيمتها مائة دينار! قال: لو أنها تساوي درهما لا تنقصها من ماية ألف دينار، وإياك أن تنقص من ذلك شيئًا! فقلت في نفسي: هذا رجل قد غلب عليه النبيذ، ولم يكن بحاجتي عنده موضع، فهو يسخر مني، فانصرفت مكروبًا، وغلب علي السهر إلى وقت السحر، فهومت قليلًا، ثم قمت للصلاة، وقد كنت استظهرت بأن ابتعت الصبية عند منصرفي من مولاتها/ ٢١/ بمائتي دينار، وقلت هو ذا أنا أنام، فكل من جاء أصرفه عني، إلا أن يجيء رجل من صفته كذا وكذا. قال: وكان يحيى وصفه لي فأنبهني، ويئست من الضيعة، وأخرجتها من قلبي، فما طلعت الشمس جيدًا حتى أنبهني الغلام. قال: قد جاء الرجل فأذنت له، فطلب الصبية، فأخرجتها، وسامني، فاستمت مائة ألف دينار، فاستكثر ذلك مني وأعطاني ثلاثين ألفًا، وأنا لست أصدق، ثم لم يزل يزيدني حتى بلغ خمسين ألفًا. فقلت: أحضر المال؟ فقال: هاهو! وحمله إليَّ وتسلم الجارية، فحلّلت من المال أربعة آلاف دينار، ووجهت بها إلى الوكيل، وتركته على جملته، وقلت: لا بد للرجل من أن يرجع يسترده ويردّ الجارية، ولكن نحصل ثمن الضيعة، ويقع النظر فيه. وركبت إلى دار السلطان فأقمت إلى الليل، وانصرفت. وسألت عن الرجل، فقيل لي: لم يرجع، فحمدت الله، وبت وبكرت إلى يحيى، فشكرته. فلما رآني قال: هات حديثك، فحدثته فقال: