إنا لله، أي شيء عملت؟ ذهبت منك خمسون ألف دينار، ثم أشار إلى الغلام، بشيء فمضي وجاء ومعه الجارية، فقال: تعرف هذه؟ قلت: نعم يا سيدي هذه التي من الله ﷿ بك عليَّ بها في أمرها، خذها وهو ذا يجيئك من يطلبها، فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فأخذت بيدها وجاءني من يطلبها فبعتها منه بثلاثين ألف دينار، وعدت إلى يحيى، فسألني وخبرته فلامني أيضا، فشكرته وقلت: استحييت من الله أن آخذ أكثر من هذا، فأخرج الجارية ومعها كسوة وطيب بألوف دنانير، وقال: قد تبركت لك بها، فالآن خذها لنفسك، ففعلت فهي والله أم طياب ابني. قال: فقلت له: ما قصة هؤلاء مع هذه الجارية؟ فقال:
ويحك! أما الأول، فخليفة صاحب مصر، وهو مقيم على بابي منذ سنة يسألني، فسألته حاجة بمائة ألف دينار، وأنا لا أسأله، فلما شكوت إليَّ ما شكوت، فقلت له: صبية عند إبراهيم، فاشترها لي ولو ثبت على مائة ألف لوزنها لك، ولكنك ضيعت. وأما الثاني، فخليفة صاحب، فارس، وقصته قصة الأول، فدعوت له وشكرته وانصرفت (١).
وعرض ليحيى رجل من أهل الشام من بني أمية، فترجل له، فرأى شيخًا وسيمًا له رواء وهيبة، فلما عاد إلى مجلسه دعا به وسأله عن سببه، فأخبر أنه رجل من بني أمية وأنَّ مسألته التي إليها يقصد وصوله إلى أمير المؤمنين! فقال له يحيى: الصدق أولى بي، وأمير المؤمنين يستثقل هذا النسب، فانظر ما تلتمسه، فإن تكن مظلمة رددتها، وإن تكن صلة بذلتها، وما بين ذلك من الحوائج فغير معتذر إليك في شيء منها.
فقال: الذي سألت ما سمعت أيها الوزير، وإني لأعلم أنكم يا آل برمك معادن الخير، فإن سهل أن تذكرني له فعلت، وإنْ ردَّ، فقد قضيت أيها الوزير ما عليك، وأوجبت عليَّ شُكْرَك، آخر الليالي الغوابر. فذَكَرَهُ يحيى للرشيد، وخبره بما دار بينهما. فأمره بإيصاله إليه، فلما وقعت عين الأموي عليه استأذن في الكلام، فأذن له فتكلم وأحسن وأبلغ، ثم أنشد يقول:[من الرمل]