واطَّلَعَتْ نَحْوِي هُناك رابيه … تيَّاهَةٌ على الوهاد آبية
قد خضعت من جانبيها الوُهْدُ … كأنّها فَوْقَ الصُّدُورِ نَهْدُ
كأنّما تطلب مني المأتى … هذا وقد ولى زمان المشتى
وللربيع مذ أتى اعتدال … وللنسيم بينه اعتلال
والشمس قد دَبَّ بها السَّقامُ … واليوم لم يَبْقَ له مُقام
والليل قد هيًَّا صفَّ عَسْكَرِهْ … وإنّما مَعْروفهُ في مُنكَرِهْ
والجو في ردائه المُصَنْدَلِ … والأرض تُذكى باشتعال المندل
وَبِمَجْمَرِ الشقيقِ فيها مُوقَدُ … وَشَغَلَ النَّهَارُ فيها تُوقَدُ
وَزَهَرُ الفُولِ أَدْعَى بِالحَقِّ … شَبِيهُ أَذْنَابِ الدُّجَاجِ البُلْقِ
وَزَهَرُ الكَتَّانِ كَالبَنَفْسَجِ … وَمِثْلُهُ لَوْلا ذَكِيُّ الأَرْجِ
تَبْدُو عَلَى أَعْطَافِهِ الشُّرَّافَةُ … ذو هَيْفٍ فِي شَكْلِهِ ظَرَافَهْ
كَأَنَّهُ فِي مَائِهِ المُمْتَزِج … زَبَرْجَدٌ رُضِعَ بِالْفَيْرُوزَجِ
وَسَائِرُ الزَّرْعِ شِفَافٌ خُضْرٌ … وَبَعْضُهَا لَهَا طِرَازُ نَهْرٍ
وَالنَّخْلُ حَوْلَ الدَّيْرِ كَالْعَرَائِسِ … مَجْلُوَّةٌ فِي فَاخِرِ المَلَابِسِ
كَأَنَّهُ مُشَمِّرًا فِي هِمَّةٍ … صُفَّ وَقُوفٌ حَوْلَهُ فِي الخِدْمَةِ
وثَمَّ من باقي مدود النيل … ماء شبيه الصارم الصَّقيل
وافَتْ إليهِ خُلُجٌ مُفَرَّقَةً … واجتمعت جميعها في مَلَقَهُ
دائرة قَوْراءَ مثلِ الأُفُقِ … تأوي بها حيتانها في نَفَقِ
صافيةٍ كمثل عَيْنِ الدِّيكِ … في غاية الصقال والتفريك
قد وَلِعَتْ فيها الرياح بالطرر … فشوّشتها ثم سَالَتْ كالغُرَرْ
فسيحة الأرجاء كالميدان … تشُقُها سَوَاحُ الحِيتَانِ
فيها من الأسماك أشتات تُرى … تأخُذُ من أنواعهن العنبرا
فيها من البلطي والبني … مآكل كالرُّطَبِ الجَنِي
والبركة الفيحاء فيها قارب … وفيه صار للشباك ضارب
يجري به قاربه على نَفَس … وَهُوَ بِهِ في الماء نارِيُّ القَبَس
كأنما أجرى به جوادا … أسرع في الركض وما تمادى
كأنه إذا أراد المَرْكَبَا … صل من الحيات يرقى عَقْرَبَا
يُسَيِّرُ الحِيتان وسط الماء … كأنها النجوم في السماء
يأتي إليها بأضاليل الخدع … لأَجْلِ ما يأخُذُ منها وَيَدَعْ