أعادوه وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره، ولا ألبابهم أن تسيغ خمره، ولا سيوفهم أن تكنس يتيمته، ولا عراضهم أن تأخذ لطيمته، فقطف ورده من شوك أيديهم، وحيا حياه الذي جلّ عن واديهم، وحضر منه حاضر الفضل الذي ما كان الله ليعذبه بالغرية في بواديهم، وتشرف منه بعقيلة الأنس التي ما كان الله ليمنحها بقتل واديهم، وسألته: بأي ذنب قتلت؟، وأي شفاعة فيك قُبلت؟، فقال: عرفت الأعراب بضاعتها من الفصاحة، وتناجدت أهل نجد فكلُّ صاح يا صباحه وقالوا: هذه حقائقنا السحرية. وهذه حقائبنا الشحرية، وهذه عقائدنا السرية محمولة، وهذه مواريث قيسنا وقسنا المأمولة، فقيل لهم: إن الفصاحة تنتقل عن الأنساب، وإن العلم يناله فرسان فارس ولو كان في السحاب (١)، فدعوا عنكم ثمرًا عُلّق في شجراته، واتركوا نهبًا صحيح في حجراتِهِ (٢)، وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ثم لممته على الشعث، وأحللت به بعد الأحرام، فاستباح الطيب وحاشاه من الرفث، ومنه قوله:
والأسر ذلّ ما بَعْدَهُ عزّة، وأثر السلسلة يمنع معاطف الهزة، والملسوع يفزع من الحبل، والجريح يعلم أن الجرح باب القتل.
ومنه قوله:
وقد طيب لمالكه الحياة في إنعامه، وهوّن عليهم الممات لثقة كل منهم باهتمامه بأيتامه فالوارث يرث من أبيه النسب، ومن كرم ملأنا النشب.
وآمد ذكرها من العالم متعالم وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مقروعًا أنفه، وإن كان فحلاه وفرّ عنها فريدًا بهمه وإن استصحب خيلًا ورجلًا، ورأى حجرها فقدّر أنه لا يفك له حجر، وسوادها فظن أنه لا يفسخه فجر، وحمية
(١) إشارة لحديث رسول الله ﷺ: لو كان الدين معلقًا بالثريا، لناله رجال من فارس. (٢) إشارة لقول الشاعر: ودع عنك نهبًا صيح في حجراته … ولكن حديثًا ما حديث الرواحل (٣) آمد قصبة ديار بكر وأعظم مدنها (معجم البلدان - آمد) والنص في الروضتين ٣/ ١٥١.