وعرف المملوك ما يكابده مولانا، وكلُّ بعين الله، وما تغلو الجنة بثمن ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١) «الغمرات ثم ينجلينا (٢)، فإنك نصل والشدائد للنصل، وكلما اشتد الخناق قوي اليقين، إن الله ربك يعظم موضع الفرح [من الكامل]
والحادثات وإن أصابك يؤسها … فهو الذي أدراك كيف نعيمها (٣)
لا زعزعتك الخطوب ياجبل، كل ما يمر بمولانا من المغايظ، ومن تثاقل الأولياء يتحمله ويحمله الله، ويعلم أن الطباع البشرية يستولي عليها الضجر، ويعلم أن الذي يطلبه من الناس أعظم من الذي يدفعه إليهم، فإنّه يعطيهم الأموال ويطلب منهم الأرواح، ولا بد من تلطف الترفيه فيمن يستنزل عن نفسه، وأين من يجود بها إلا قليل ماهم:[من الوافر]
وقد كانوا إذا عُدّوا قليلا … فقد صاروا أقل من القليل
ومنه قوله:
فسبحان من جعل آراءه في الظلمات مصابيح، وفي المشكلات مفاتيح، ويده إذا امتطت الأقلام بارت الغمام، وإذا اتشحت بالأعنة بارت الريح، وباب مولانا ميدان العلا، ومجلسه معرض الحلى، وترابه غرر وجوه السادة الألى.
ومن أخرى في فتح بيت المقدس شرفه الله تعالى، منها (٤):
وأتينا المدينة من جانب، فإذا هو أودية عميقة، ولجج وعرة غميقة، وسور قد انعطف عطفة السوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عُقر الدار، وقدم المنجنيقات التي تتولّى عقاب الحصون عصيتها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي تضرب ولا تفارقها سهامها ولا نصالها، فصافحت السور، فإذا سهامها في ثنايا شرفاتها سواك، وقد قدم النصر نسرًا من المنجنيق يخلد أخلاده إلى الأرض، ويعلو علوّه إلى السماك، فشجّ مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها، ورفع منار عجاجها، وأسفر النقاب عن الخراب النقاب، وأعاد الحجر إلى حلقته
(١) سورة آل عمران: ١٣١. (٢) رجز للأغلب العجلي (مجمع الأمثال ٢/ ٥٨) وتمثل به مالك بن الحارث الإشتر (رض) يوم صفين. انظر: مجموع شعره. (٣) البيت لأبي تمام (ديوانه ٣/ ٢٧٣). (٤) وفيات الأعيان ٧/ ١٨٤ والروضتين ٣/ ٣٥٩ وصبح الأعشى ٦/ ٥٠١ و ٨/ ٢٨٦ وشفاء القلوب ص ١٤٦.