الأولى من التراب، ومضغ سرد حجارته بأنياب مِعْوَلِهِ، واظهر في صناعته الكثيفة ما يدلّ على لطافة أنملِهِ، وأسْمَعَ الصخرة الشريفة أنينه، إلى أن كادت ترق لمقتله. وله أيضًا من أخرى:
فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماها نبال الوبال، وتملأ أرضها بالنكاية والنكال، وتهد بساريات حجارتها راسيات الجبال وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار، وتوسع مجال الدوائر في الديار، وتخطف بخطافاتها أعمار الأعمار، وتطير حمامها بكتب الحمام، وتديم إغراء سهامها في أهلها بتوفير سهام، وكشف النقابون السور المحجوب، فتهدّم بنيانه، وتداعت أركانه، بتظاهر المنجنيقات عليها والنقوب.
ومنه قوله:
في ليل كموج البحر، له أنجم كحبب النهر، قد حشر الهموم وحشدها، وهدى ضوالها للقلوب وأنشدها، فأقول له لما تمطى بصلبه (١) قطع الله صُلْبَك. ومتى أرى عمود الصباح قد عجل الله عليه صَلْبَك.
ومنه قوله:
ولنا من الجيران من يجور، ونظن أنه إلى الله لن يحور، ويصدق وعد الشيطان وما يعده الشيطان إلا الغرور، ويصد عنه كل عظيمة المورد، ويجهل أن الله عليم بذات الصدور، ويظن أنه يرث الأرض، وينسى ما كتب الله في الزبور، وينشد ضالة الولاية بجيشه وبيته، وما يقبل بيت مكسور، ولا يضمن النصر جيش مكسور.
ومنه قوله:
والمسئول أخذ دستورا لمملوكه في هذه السنة، فقد جفا بيت الله جفوة طويلة، واشتاق إلى زورة وتمامها أن يكون المولى فيها الوسيلة، وقد تحقق أن المولى يُلبّيه ولا يحرمه، فكاد يُلبّى ويحرم، ولولا أن ذكره وذكر والده كمس المسك، لكان على هذا العزم يتمم ويحزم، وما ينقطع مرافق خدمه، ولا منافع لسانه وقَلَمِهِ عن الدولة الناصرية، فقد كان حجّ فحشد جيوش الليل، وفوقوا سهام الأسحار، وأعانوا في تلك السنة سلطان الدنيا وجنود النهار، وما يدعي المملوك في الدعاء رتبة المجاب، ولكن في الحشد رتبة السمسار.
ومنه قوله:
(١) تضمين لقول امرئ القيس: [من الطويل] فقلت له لما تمطى بصلبه … وأردف اعجازًا وناء بكلكل