للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صالحة، وعمله بسيرة ناصحة، وله عائلة هي وإن كانت غلًا، فقد فَسَحَتْ خُطاه في الانتجاع، وبه فاقة هو وإن كان في ضائقتها فقد بعثه في الأرض على الاتساع، ولما قلب طرفه في سماء القصد هدى إلى قبلة مولانا التي يرضاها كل متوجه، وإلى هدف المدائح الذي تسدر إليه سهام كل ألكن ومفوّه، فإن رأى مولانا أن يشفع فيه جده شافع البشر، ويلين حظه فإن حظه كالحجارة أو أشد قسوةً من الحجر.

ومنه قوله (١): وَرَدَ كتاب المجلس، ومرحبًا بمقدمه وأهلًا بمنجمه، والسوق تختلف نقود صروفه، وتتنوّع صنوف ضيوفه، فلا بُدَّ أن تنبعض اذا انبضعت المسافات، ولو أنه إلا بمقدار ما يدنو اللقاء على الرسول السائر بالكتاب الصادر والخيال الزائر بالحبيب الغادر، والنسيم الخاطر من رسائل الخواطر، ويقرّ به طرف الناظر من الصديق الحاضر، وقفت على هذا الكتاب المشار إليه، وما وقفت عنه لسانًا شاكرًا، ولا صرفت عنه طرفًا ناظرًا، وبلغت من ذلك جهدي، وإن كان قاصرا، واستفرغت له خاطري وما أعدّه حاضرًا، ومما أسرّ به أن يكون في الخدمة السلطانية، أعلاها الله ورفعها ووصلها ولا قطعها، وألّف عليها القلوب وجمعها، واستجاب فيها الادعية وسمعها من يكثر (٢) قليلي، ويشفي في تقبيل الأرض غليلي، فإنّ تقبيل سيدنا كتقبيلي فلو شرب صديق وأنا عطشان لأرواني، ولو استضاء بلمعة في الشرق وأنا في الغرب لأراني، كما أن الصديق إذا مسته نعمة وجَبَ عنها شكري، وإذا وصلت إليه يدُ مُنْعِمٍ وصلتني، وتَغَلْعَلتْ إلي ولو كنت في قبري.

ومنها (٣):

وأعود إلى جواب الكتاب: الأخبار لا تزال غامضة إلى أن نشرحها، ومقفلة إلى أن نفتحها، بخلاف حال خادمها مع الناس، فإن القلوب لا تزال سالمة إلى أن تجرحها، والهموم خفيفة إلى أن ترجحها، وفي الخواطر في هذا الوقت أُمور موجودة نجعلها في العدم، ونخرجها من الألم إلى اللمم، ويعادي بين الأسماع والألسنة، وبين العيون والقلم والقلوب بيد الله سبحانه، وعليه بالاستجارة والاستخارة، فتلك تجارة رابحة، وكل تجارة لاتخلو من خسارة، والله تعالى يجمع كلمة المسلمين على يد سلطاننا ولا يخلينا منه ومن بنيه حلي زماننا، وسيوف أيماننا


(١) نهاية الأرب ٨/ ٢ وفي أنه كتبها إلى أمير حلب.
(٢) في الأصل: تكثير.
(٣) نهاية الأرب ٨/ ٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>