ويُسعدنا من أكابرهم بتيجان رؤوسنا، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا، ولقد تفرّغت العزمة الفلانية لهذا الكتاب (١)، ولو ذكرت السلطان بالعدو فيرجم كلبه، ويكف غربه، ويذيقه وبالَ أمْرِهِ. ويطفي شرار شره، ويعجل له عاقبة خُسْره، فقد غاظ المسلمين وغضّهم، وقتل جموعهم وفضّهم، ولو جعل السلطان عزّ نصره غزو هذا الطاغية مغزاه، وبلاده مستقر عسكره ومثواه، لأخذ الله الكافر بطغواه، كما أخَذَ ثمود بطغواه، ولأبقى ذكرا.
وقوله (٢):
وللمودة عين لا يكحلها إذا رَمَدَتْ إلا إثمد مداد الصديق، ومافي الصبر سعة لصحبة أيام العقوق بعد صحبة أيام العقيق، وقد بلغني أن ولد المذكور خدم في المجلس السلطاني، وسررت بأن يجتمع في خدمته الأعقاب والذراري، وتطلع في أفقه الأقمار والدراري، والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعًا، ولا يَعْدِمُنا من يدِهِ سحابًا، ومن جنانِه ربيعًا، وللمودات مقر ما هو إلا الالسنة، والقلوب قضاة لا تحتاج إلى بينة.
ومنه قوله يذكر كتابا جاءه في ورق أخضر:
ولما تناولته في الحِلّة مخضرا بسريرة السراء، قلت الله أكبر، من كان خاطره غيثًا روض، وفاض فأعشب فذهب ففضض، وما شككت أني دخلت الجنة لما فاض من أنهارها، وأفيض من سندسها، أو طلعت إلى سماء الدنيا لما ملأ سمعي وعيني من شهبها وحرسها، ولا أنني قد جاءتني رسالة الروض الأرج. لما فغمني من نفيس نفسها، فقلت لصحيفة: ما هذه اللبسة الغريبة، والحلية الحبيبة، والورقة التي هزت عطفي في ورق الشبيبة بعد رداء المشيب، والريحانة التي لا يدعيها عذار حبيب؟ فقالت:[من المتقارب]
وكيفما حلّ أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كل مطلع نجومه وبدوره، لا تذلل أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تُبتذل أقدارهم في مصونات المجامع، كأن الأرض بهم سماء فأنهم طوالعها، وكأن الدنيا بهم رياض، فإن أوجههم دهرها وأيديهم مشارعها.
(١) في نهاية الأرب: له ذ ا الكلب. (٢) نهاية الأرب ٤/ ٨. (٣) البيت للصنوبري في ديوانه ٧٨.