الغوالي، وفخر المنافس المغالي، وأخذ منها الجواهر وما فنيت، وزايلتها الخواطر وما فتئت، وطالما أثرى منفق من ذخيرتها ومرتفق نميرتها من كنوز ما وقعت عليها المآرب، ولا وقعت عليها أرباب المطالب، لا بل تلك ربما أنفذها الإنفاق، وأنفقها داعي الإملاق، وهي معدن مولد الذهب فكيف تملق، وبحر يخرج الدر فكيف لا ينفق، قذفت بها أمواج ذلك البحر الذي يُمتار، ومجاج النحل الذي منها يُشْتار، من عبق ذلك الروض، وغدق ذلك النوض، وثمر ذلك الدوح، ومكنون ذلك اللوح، وفضائل ذلك الفاضل الذي ما رقت لولاه أصل المغرب، ولا أنضب جدول ذلك النهار في روضه المعشب، ولا رفعت للأندلس أعلام، ولا عُرِفَتْ وقائع وأيام، ولا تميزت لأهله أقدار، ولا تطرقت بفضلِهِ سِير وأخبار. ولا حفظت له ذخيرة خير من كل درهم ودينار فاقتضيت بها لوعود الدهر ديون، وحازت آثارًا وكلها عيون.
ومن نثره قوله:
وهو على نباهة الذكر وشرف المحل من فهر، قد اقتصر على عفّة في العيش يتبرّض حميمها، لا بل يتزوّد نسيمها، والشمس وإن سترها الضباب فغير خفية السنا ولا مجهولة العنا.
ومنه قوله:
طرائد سيوف، وجلاء حتوف قد خلعهم لين العيش على خشنه، وأسلمتهم غفلات الزمان إلى محنه.
ومنه قوله (١): عارِضُ إِذا هَمَعَ استوشَلَتْ البحار، ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار، وهو أحد من أوى بأشبيلية من الحسب إلى ثبج عظيم، ومشى في الأدب على منهج قويم، سابق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم، وصارم لا يحلّى غمده إلا بأفراد النجوم.
ومنه قوله:
بحر من بحور الكلام قذف بدر النظام، وطوقه أعناق الأيام، أسحر من أطواق
= شنترين، له: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ترجم فيه أعيان الأدب والسياسة ممن عاصرهم، ونقل المؤلف عنه تراجم المغاربة، توفي سنة ٥٤٢ هـ. ترجمته في المغرب في حلي المغرب ١/ ٤١٧ ومقدمة الذخيرة، وهدية العارفين ١/ ٧٠٢، وسماه علي بن محمد بن بسام «رايات المبرزين» ص ٤٥. (١) الكلمة في الذخيرة ق ٢ مج ١ ص ٣٢٥.