للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلى الأثير بن بنان:

لولا أن بعض الفضلاء المتقدمين، والفصحاء المتكلمين، خاض أودية الأوهام على بنات الأفهام، وغاص في بحار الأفكار على المعاني الأبكار، ليمدح به السبعة الدراري ويجعل النجوم الجواري لها كالجواري، ويصفها بما يشرفها في أفلاكها ويجملها في عيون ملاكها، لما وجد لها أجمل من صفات سيدنا القاضي الأجل، الأثير - أدام الله علوّه وكبت عدوّه - وعلم علمًا يقينًا أن الفلك الأثير لا يحتوي على مثل القاضي الأثير، حتى لو أن شاعر الفلك وهو الشعري العبور، قصدها وحلّها ممتدحًا لها فوجد رجل ثبات سيدنا وأناته ونسب المشتري إلى ديانته وأمانته، واستعار للمريخ حزمه وعزمه، وأثنى على الشمس بسياسته ورئاسته، ومدح الزهرة ببشره ونشره، وذكر عطاء ببراعته ويراعته، وأثنى على القمر بإنجازه ونجازه، لجعلوا عليه غلائل المجرة، وكللوه بنجوم الأكليل، وأنزلوه في مراقد، وأنعشوا له جماعة بنات نعش، وأوقدوا على رأسه نجوم الثريا، ونثروا عليه كواكب النثرة، وأنعموا عليه بمنزلة النعائم، وأقطعوه بلاد البلدة، وأمروا سعد الذابح أن يذبح له الجدي، ويملأ له الدلو، ويقلي له الحوت ويشوي له الحمل، وأن يطبخ له الثور كله سكباجًا، وأن يحمل له من خبر السنبلة، ومن ثمرة الجوزاء ما يضعف ميزان الفلك عن حمله، وكلوا السماك الرامح أن يرعاه برمحه من دبيب السرطان ومن شوكة العقرب، ومن ذراع الأسد ومن سهام القوس، حتى يعود إلى فلكه، وهو أسعد النجوم، وحقيق بمن هذه خلاله أن يمدح جلاله، ومن هذه صفاته أن تتفجر صفاته، ومن هذه أوصافه أن يحمد وصافه، لا سيما ابن سبيل طالت به في الشام الغيبة، وعوّقته عن الإسراع الهيبة، حتى اكتال من اكتال وانكسرت الريبة، والمرء يسعى ورزق الله مقسوم، هذا بعدما ركب الليل جملًا، واحتذى أديم النهار نعلًا، وخرج من باب الجابية إلى باب الطابية متلذذًا بالعنا، طامعًا في اليسار والغنى، وإنما يقطع أعناق الرجال المطامع، فوصل إلى القاهرة كالعاشر من خيول الحلبة، والتاسع من أولاد الكلبة، ليس له طي يخصه ولا بز يمصه، فوجد الأمور قد تغيرت عن كيانها، والقصور تبكي على سكانها:

ومن ذا الذي يا عز لا يتغيّر فلولا الأخوان لما ردته أسوان، ولولا الأصحاب لضاقت به الرحاب، إن المعارف في أهل النهي ذمم، واجتمع يومًا ببعض المعارف الراسخين في المعارف، فسأله عن أسعار الأشعار، فأخبره عنها بالكساد والفساد، وعن أهلها بالحراف والانحراف وقال: كل كلام مسجوع لا يُسمن ولا يُغني من جوع، وصاحب القصيد كالباسط ذراعيه بالوصيد، وما عند الأمراء أحسن من ذقون الشعراء،

<<  <  ج: ص:  >  >>