الحد والصفة، فلو أن امرءًا عُبد من دون الله لعبدوه ولما قرب الخادم من مدينة الفيوم، وأبصر المركب الذي طلع عليه لا يسير إلا في ظلّ النخيل، وبين أغصان الأشجار والكروم، طرب الخادم على حنين الدواليب وتغريد الأطيار، فافتتن وفضلها على كل موضع مليح أبصره في الزمان، ثم لما نزل في المدرسة، وحط رحله في الروشن العالي الذي على النهر الكبير، عاشت نفسه باستنشاق ذلك النسيم، ثم إنه دخل الدار الكبيرة، والدار الصغيرة، وتفرّج على علو الهمة، وحسن الترتيب، ثم إنه مشى وحده إلى الحمام الصغير الذي في زاوية الدار فاستطاب الموضع لخلوته، وشدّة برده في قائلة نصف النهار، فجلس فيه مفكرًا ومعتبرًا بما كان فيه من الأنس وما صار إليه من الوحشة، فخنقته العبرة شوقًا إلى صاحب المكان، فلم يشعر إلا والحائط الشمالي قد انشق، وخرج منه شخص عجيب الصورة، وليس له رأس ولا رقبة البتة، وإنما وجهه في صدره ولحيته في بطنه، مثل بطنه الناس في يده اليمنى زربول (١)، وفي يده اليسرى شمشك عتيق، فقمت إليه هيبة له، وخوفًا منه، وقلتُ له من أنت يرحمك الله. قال: أنا أبو خطرش من بني الدردبيس الساكن في هرم ميدوم، جاوبني على كل بيت ألقيه عليك، وإلا قطعت قفاك بهذا الزربول، فقلت له: لست بشاعر والله يا سيدي، ولا أجوز في هذا الباب، فقال: تكذب في جوف لحيتك أنا أعرفك تكدي الناس بالشعر منذ ثلاثين سنة في هذه الديار، فقلت له أنا أسيرك افعل ما تريد، قال:
أجز وأوجز:
لمن الديار … بساحة الفيوم؟
فقلت:
فقال: وتبدلت من بعد عيد كالمها … وولائد كاللؤلؤ المنظوم
فقلت:
فقال: وبسيد من آل شادي أروع … مثل الحسام الصارم المثلوم
فقلت:
فقال: بنواعب الغربان تضحك دائمًا … وحمائم تبكي لفقد حميم
فقلت:
فقال: بكت السماء لبعدهم من بعدهم … بسحابة منهلة وغيوم