ويمد (١) من لسانه رشاء ودلوًا، يعلم به الماء إن مرًا أو حلوًا (٢)، فتسمع للماء خضخضة من قرعه، ويرى اللسان نضنضة من جرعِهِ، يحمي داره حماية النقيب، ويحرسه (٣) حراسة الرقيب، فإن رأى فيها كلبًا هر (٤) عليه البًا، وإن رأى فيها هرًا زحف (٥) إليه مكفهرًا، أنفةً على خبائه أن يطرق، وغيرةً على حجابه أن يخرق، فيدافعه (٦) بالساعد الأشد، وينازعه (٧) منازعة الخصم الألد، فأما إذا أطال مفاوضته، وأدام مراوضته، أبرز برثنه لمبادرته، وجوشنه (٨) المصادرته، فشدّ شدّة (٩)، وضمه من غير مودة، وأطار وبره نسالا (١٠) وأرسل دمه إرسالا، بأنياب عصل (١١)، أمضى من النصل، ومخلب كمنقار الصقر (١٢)، درب بالاقتناص والعقر، ففر قرنه ممزق (١٣) الإهاب مستنصرًا بالذهاب، قد أفلت من بين أظفار وأنياب، ورضي من الغنيمة بالإياب، هذا وهو يخاتله دون جنَّة، ويقاتله بلا سيوف ولا أسنّة، وإنما جنته منته (١٤) وسنانه أسنانه، وشفاره أظفاره، إذا سمعت الفأرة منه مغاء (١٥) لم تستطع له إصغاء، وتصدعت قلوبها من الحذر، وتمزقت (١٦) شذر مذر، تهجع العيون وهو ساهر، وتستتر الشخوص وهو ظاهر، يسحر (١٧) من عينيه بنيرين وضاحين تخالهما في الظلام مصباحين، يُسوّف الأركان، ويطوّف بكل مكان (١٨)، ثم يغط إذا نام ويتخطا (١٩) إذا قام، ولا يكون للنار مستدفئًا، ولا للقدر مكفيًا، ولا للرماد (٢٠) مضطجعًا، ولا للجار منتجعًا، بل يقنع
(١) في النهاية: ويتخذ. (٢) النهاية: ويعلم به إن كان الماء ملحًا أو حلوًا. (٣) النهاية: ويحرسها. (٤) النهاية: المباهج: صار عليه إلبًا، وبعده: وصعر خده، وعظم قده، حتى يصير نده، أنفة من جنابه (في المباهج - حماة) أن يطرق، وغيرة على حجابه أن يخرق. (٥) النهاية: وجف. (٦) النهاية: فدافعه. (٧) النهاية: ونازعه. (٨) الجوشن: الصدر. (٩) النهاية والمباهج: وشد عليه شده. (١٠) في النهاية: فأنسل وبره إسنالا. (١١) العصل: جمع أعصل: المعوج في صلابة. (١٢) كذلك في مباهج الفكر، وفي النهاية: الصحن وهي حديدة كالفأس ينقر بها الصخر. (١٣) في الأصل: مشرق، ولا معنى لها، وأثبت ما في النهاية والمباهج، والعبارة فيهما: فيصير قرنه ممزق الإهاب. (١٤) في مباهج الفكر: متنه، وهو تحريف، والمنة: القوة. (١٥) المغاء: صباح الهر. (١٦) النهاية والمباهج: وتفرقت جموعها. (١٧) كذا في الأصل: وفي النهاية والمباهج: يسري. (١٨) بعده في النهاية: ويحكي في ضجعته السوار تحنّيًا، وقضيب الخيزران تثنيًا. (١٩) في النهاية: ويتمطى. (٢٠) النهاية: ولا في الرماد.