للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَلْوانُ بابِ البَرِيدِ المُعَدَّدَةُ، وَجَرَتْ أَرْكانُ جَيْرُونَ وأَبْوَابُهُ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، وجالَ على الدَّهْمَاءِ وَالخَضْرَاءِ بِشُهْبِ خُيولِهِ، وفَتَحَ أَفْواهَ أُوْدِيَتِهِ وَالْتَقَمَ أَرْقَمَ كُلِّ نَهْرٍ مُتَلَوٌ وشَرِبَهُ بِسُيولِهِ، وساءَ بَياضُ يَوْمِهِ سُودَ مَراتِعِها وخُضْرَ مَرابِعِها، وَشَوَّهَ فِي هَذِهِ الشَّتْوَةِ الأَلْوان، وَبَسَطَ ذَيْلَهُ على الوِهادِ وَعَقَدَ حُباهُ على الكُثْبانِ (١).

وجاء هذا الشَّتاء بالعَجَبِ، وَذَكَّرَ دمشقَ في هذِهِ السَّنَةِ بِما خَلا في الخالية من واقِعَةِ حَلَبَ (٢)، وأَنْسى في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالي رَمَضانَ لَيْلَةَ جُمادَى، وَدَفَنَ ثَلْجُهَا سَوْآتِ ثَلْجِ سَنَتِنا الماضِيَةِ، وَذَرَّ عليها رَمادًا، وطالَتْ أَيَّامُهُ والأعمارُ الذَّاهِبَةُ بِهِ قِصارُ، واسْتَطَالَتْ جُنودُهُ المُهاجِرَةُ وَقَلَّتِ الأَنْصَارُ، وجاءَتْ أَفْواجُهُ وكَانَتْ في عِلْمِ الغَيْبِ، وقَدِمَتْ من وَرَاءِ البُروق من بِلادِ الرُّوم وقادِمُها صُهَيْبٌ، وأَقْبَلَتِ السُّحُبُ بِخُيوطِ أَنْوَائِها وَتَقَطَّعَتِ الأَسْبَابُ، وفَتَّحَتْ خُوَخَ البُروقِ في السَّمَاءِ المُفَتَّحَةِ الأَبْوابِ، وَأَصْبَحَتْ بِغَارِبِ النَّوْءِ كُلُّ ذُرْوَةٍ كَأَنَّها سَنامٌ، وَبِمُجْتَحَفِ السَّيْلِ كُلُّ عَيْنٍ كَأَنَّهَا مَنَامٌ، وَوَقَعَ كُلُّ جَبَل عَلى جَنْبِهِ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ ممَّا تَصَدَّعَ، وَفاضَ كلُّ وادٍ امْتَلأَ بَطْنُهُ مِمَّا شَرِبَ وانْتَفَخَتْ رَوابِيهِ مِمَّا تَضَلَّعَ، وعَمَّتْ أَهْوالٌ، وَأَغَمَّتْ أَحْوَالٌ، وكانَ لِلمدينةِ أَيُّ يَوْمٍ، ولِلَيْلَتِها فِي يَوْمِهِ أَيُّ نَوْمٍ، وَدَخَلَتْها بِالجَوارِيفِ البَقَرُ لِجَرْفِ الثَّلْجِ، وما دَخَلَتْ آلَةُ الحَرْثِ دَارَ قَوْمِ (٣).

هذا بعد توالي أَيَّام ما نَعْرِفُ مَا نَقُولُ فيها، إلا أَنَّها شَغَلَتِ الشَّيْخَ أَبا تَمَّام وشَيَّبَتِ الوَلِيدَ، وَحَجَبَتِ الدَّارَ فَمَا نُظِرَ إِليها إِلا من وراءِ زُجَاجَةٍ من الجَلِيدِ، وَعَزَّ بها حتَّى على المَيِّتِ أَنْ يُقْبَرَ، ولم يُرَ فيها قَتِيلٌ فِي بَيْتِهِ إِلا أَنَّهُ القَتِيلُ المُصَبَّرُ، ولم يَبْدُ من شُهُودِ الجِبالِ ذَواتِ الدَّوائِبِ، إِلا كُلُّ مُعَذِّبِ بِالرَّحْمَةِ، ولا مِنْ عُهُودِ الغَمَامِ


(١) ينظر ما يقوله المؤرخون في كائنة الثلج سنة ٧٤٥، في: تذكرة النبيه ٣/ ٦٣ والبداية والنهاية ١٨/ ٤٧٧ والذيل التام ١/ ٦٨ وتاريخ ابن قاضي شهبة ١/ ٤١٣.
(٢) قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية ١٨/ ٤٦٩ - ٤٧٠: وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه [= شعبان سنة ٧٤٥] قبل الظهر، جاءت زلزلة بدمشق لم يشعر بها كثير من الناس لخفتها، والله الحمد والمنة؛ ثم تواترت الأخبار بأنَّها شعئت في بلاد حلب شيئًا كثيرًا العمران حتى سقط بعض الأبراج بقلعة حلب، وكثير من دورها ومساجدها ومشاهدها وجدرانها؛ وأما في القلاع حولها فكثير جدًا؛ وذكر أنَّ مدينة منبج لم يبق منها إلا القليل، وأنّ عامَّة الساكنين بها هلكوا تحت الردم، .
وينظر: تاريخ ابن قاضي شهبة ١/ ٣٦٠ - ٣٦١ وتذكرة النبيه ٣/ ٥٨ - ٦٠.
(٣) الإشارة إلى قول الرسول عندما رأى سِكَةٌ وشيئًا من آلة الحَرْثِ: «لا يدخل هذا بيت قوم، إلا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ». (صحيح البخاري ٣/ ٦٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>