للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْمُمْتَدِّ السَّحائِبِ إِلا كُلُّ مَنْشُورٍ أَبْيَضَ كَالْفَحْمَةِ.

فلما راع المملوكَ مَنظَرُهُ وساءَهُ، ورأى نَهارَهُ الطَّويل وقد جَعَلَ طَرَفَ جَناحَيْهِ مَساءَهُ، اسْتصْرَخَ على رُعودِهِ الصَّارِخَةِ، واسْتَعانَ على بُروقِهِ النَّافِخَةِ، وَاسْتَنْصَرَ عَلَيْهِ بِكُلِّ مَنْ يَهْتِفُ بِهِ الدَّاعِي، وتَهْفو إليهِ المَساعي، وأَرْسَلَ رُسُلَهُ يَشْكُو سَعْيَ هَذا المَطَرِ المُفْسِدِ، فجاؤوا يَجْرِي وراءَهُم السَّاعي، ولم يُدْعَ منهُمْ مَنْ لم يُسْتَرَى بِجَناحِهِ، وَتُفْرَسُ عَادِيَةُ هذا العَدُوِّ بِسِلاحِهِ، ويُرَدَّ بِهِ أَشَدُّ بَأْسًا من هذا الشَّتاءِ، فَأَمَّا هو وكَلَبُ بَرْدِهِ فَلَا يُنَقَّى بِحَجَرٍ لِنُبَاحِهِ.

وقد جَمَعَ المملوك ذلكَ كُلَّهُ - الابْتِداآتِ والأَجْوِبَةَ - بينَ دَفَّتَيْ دَفْتَرٍ، وأَضاف إليهِ مَقامَةٌ من ذَخَائِرِ مَولانا التي لم يَزَلْ بِها يَتَكَثَرُ، وأَثْبَتَ هذا الكِتَابَ، وَأَخْلَى مَكَانَ الجَوابِ، فَلَعَلَّهُ يُنْعِمُ بِهِ لا بَرِحَ مَنْعِمًا، ولا زالَ سالِمًا مَا عَلَيْهِ إِلَّا مَا يَرِدُ مِنْ مَطَرِ السما، ولا فَتِيءَ يُكْمِلُ النَّقْصَ، ولو لم يَكُنْ مالِكًا لما جُعِلَ، وحاشاه من الرَّيْبِ مُتَمِّمًا، إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.

فكتبتُ أَنا الجواب إليه:

يُقَبِّلُ الأَرض التي يَخْجَلُ السَّحابُ من نَداها، ويَشْفِي لَثْمُ تُرابها القُلوبَ من صداها، وتَؤُمُّها الأَيَّامُ بِالمَنِّ وتَعْدُوها الخُطوبُ إِلى عِداها، تَقْبِيلًا يَزْدَادُ بِهِ شَرَفًا، ويَعْتادُ تَكْرارَهُ ولا يَعْتَدُّهُ سَرَفًا، ويَجْعَلُ مَواطِتَها بِمَواقِعِ لَثْمِهِ رَوْضَةً أُنْفًا.

ويُنهي ورود المثال العالي، تَجَلَّى حَبْرُهُ في حِبَرِهِ، وَيَفْضَحُ زَهْرَ الْأُفُقِ رَوْضُهُ بِزَهَرِهِ، وَتَتَحَقَّقُ النَّواظِرُ حُسْنَ صَنائِعِهِ وَمَا دَبَّجَهُ القَلَمُ فِيهِ بِأَثَرِهِ، ويُهدِي إِلى الأَسْمَاعِ إِنْعَامَ أَنْعَامِهِ، ويَجْلو على العُيونِ صُوَرَ سُوَرِهِ؛ فَوَقَفَ لَهُ وانْتَصَبَ، وَافْتَخَرَ بِوُرودِهِ على بَني الأَيَّامِ وانْتَسَبَ، وانتهى إلى الإِشارَةِ الكَرِيمَةِ في أَخْبَارِ الثلوج الَّتِي طَمَّتْ وغَمَّتْ، وأَوْضَحَتْ أَنْبَاءَها وما عَمَّتْ، وساقَتْ إِلى الشَّامِ قِطَارَ القُطَارِ وَزَمَّتْ، وَنَمَتْ بَرَكاتُ مَواقِعِها ونَمَّتْ وَتَمَّتْ، وَهَمَتْ سَحائِبُها بالعَذابِ وَأَهَمَّتْ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغَ القُلُوبُ الحَناجِرَ فقد هَمَّتْ؛ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ أَرْبَتْ بالثلوج على الأُولى، وزادَتْ عَرْضَ الأَرْضِ طولًا، وجَعَلَتْ صَحيحاتِ النَّواظِرِ حُولًا، فَما يَظُنُّ المملوكُ إِلَّا أَنَّ اللهَ تعالى نَسَفَ جبالَ الشَّامِ ثَلْجًا، وَجَعَلَ حَواجِبَها المُمْتَدَّةَ على عُيُونِ الْأَرْضِ بَلْجًا.

على أَنَّ الديار المصْرِيَّةَ في هذا العام وَصَلَ إِليها فَضْلَةُ ذلكَ البَرْدِ، وَرَمَى أَهْلَها بما لا عَهِدُوهُ من مِزاجها الذي كَأَنَّهُ زَمَنُ الوَرْدِ، فلو تَرى أَحَدَهُم وقد أَخَذَهُ النَّافِضُ، ونَجَّاهُ القَرُّ بِعامِلِهِ الرَّافِعِ الخافِضِ، لا يَحْمِيهِ حِصْنُ فَرْوَةٍ ولا يُجِنُّهُ، ولا يَصُدُّ عَنهُ نَفْحَةَ

<<  <  ج: ص:  >  >>