للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

زمهرير ولا يُكِنُّهُ؛ لَتَوَهَّمْتَهُ أَخا وَجْدٍ يَهْتَزُّ طَرَبًا، أَوْ غُصْنَا اعْتَوَرَ عليهِ رِيْحا شمال وصبا، قَدْ رُكْبَتْ أَعْضاؤُهُ من الزِّنْبَقِ فَما تَسْتَقِرُّ، وَجَفَّتْ لَهَواتُهُ يُبْسًا فَما تَسْتَدِرُّ، لا يَمُدُّ كَفَّهُ ولو بايَعَهُ النَّاسُ على الخِلافَةِ، ولا يُخْرِجُ يَدَهُ ولو كان فقيرًا إِلى كِيْسِ ذَهَبٍ أَوْ نَدِيمًا إِلَى كَأْسٍ سُلافَةٍ، وَلَا يَنْبَعِثُ لِعَمَلٍ كَأَنَّهُ إِنَّ وقد دَخَلَتْ عليه ما الكافَّةُ، ولا يُصَدِّقُ حَدِيثَ شَمْسَ ولو كانَ بالقُطْرِ الجنوبي شتاء، ويقولُ: حَديثُ خُرافة (١): [من الكامل]

ويرى عتاقَ الطَّيْرِ في وُكُناتِها … تَخْتارُ حَرَّ النَّارِ والسَّفودا

وإِذا رَمَى فَضْلاتِ كَأْسٍ في الهَوى … عادت عليه من العَقِيقِ عُقودا

كم بَكَى أَنْفُهُ، وَدَمْعُ جُنونِهِ أَحَقُّ بِتِلْكَ العَبَراتِ، وكم طافَ بِكَعْبَةِ كَانُونٍ وما أَتى غَيْرَ الجَمَراتِ، يَكادُ لِذلِكَ البَرْدُ واليُبْسُ يَتَجَسَّدُ حَتَّى الكَلَامُ، وَيَتَوَسَّدُ الإِنْسَانُ طَلَبَ الدِّيارِ تَحْتَ الرِّجامِ، تَلْهَجُ الرِّعْدَةُ بِهِ لَهْجَ السُّكونِ بِحَرْفِ العِلَّةِ، أَوْ عُيونِ العُشَّاقِ بالدموع المُسْتَهِلَّةِ، أَوْ البَدائِعِ والبَدائِهِ بِكَلِمَاتِ مَولانا المُتَدَفِّقَةِ، أَوِ الفَهَاهَةِ والعِيِّ بِعِبَارَةِ الْمَملُوكِ وَكَلِمَاتِهِ المُتَلَفِّقَةِ.

لقد تَحَقَّقَ أَنَّ عُنْصُرَ النَّارِ ذَهَبٌ فَلَكُهُ، وَأَنَّ الأَثِيرَ تَقَطَّعَتْ حُبُكُهُ، يَا رَحْمَتَا لَهُ مِنِ عارٍ يَحْسَبُ أَنَّ النَّخَ (٢) نَخَا تَحْتَهُ فَنَكُ، ويا عَجَبًا لَهُ مِنْ عَاجِزِ عَنِ الكَلَامِ وَكَمْ دَقَّ بالحَنَكِ، هذا وبَيْنَ الإِقْلِيمَيْنِ من هذا البُعْدِ الذي ما لِلُجِّهِ ساحِل، والمَسافَةِ التي إذا سرى فيها طَيْفُ شَيْقٍ أَصْبَحَ دُونَ الغَايَةِ بِمَراحِلَ، ولم يَصِلْ إِلَيْنَا إِلا فُضالاتُ تلك العَواصِفِ، ولُفاظاتُ ما يَنْفُثُهُ فَمُ الجَوِّ من الرُّعودِ العَواصِفِ، فَهَذِهِ رُموزُ مَا هُناكَ من التصريح، وبَعْضُ شَرَرِ ما يَنْفُخُهُ كِيْرُ الرِّيحِ، فكيف بمكان كانَ فيهِ المَصْرَعُ؟ ومَظَان ما يَنْشَأُ عن الرِّياحِ الأَرْبَع، ومَواطِنَ إِذا كَانَتِ الرِّيحُ رُخاءَ مَرَّتْ بِهِ وهي زَعْزَعُ، وبقاع أَصْبَحَ الغُرابُ الْأَبْقَعُ بِثَلْجِها قُمْرِيًَّا، وبلادٍ تَتَّخِذُ الشَّمْسَ فِي المَصِيفِ ظِهْرِيًَّا، كَأَنَّهَا بِلادُ أَبِي الطَّيِّبِ التي لَبِسَتْ عَليهِ مَسَالِكَهُ، وَغَدَتْ بِبَياضِها وهي سَوْداءُ حالِكَةٌ، فَأَقْبِحْ بِتِلْكَ الأَرْضِ إِذَا أَصْبَحَتْ ثُغورًا تَضْحَكُ، وأَبْعِدْ بِتِلْكَ الأَنْداءِ التي يَنْحَلُّ منها الكافور وَيَنْحَكَ؛ ولقد كابَدَ المَملوكُ ثُلوجها ولا إلى هذا الحدّ، وعالَجَ أَنْواءها ولكن ذلك لَعِبٌ وهذا جد، ولقد أَذْكَرنَي ما قُلْتُهُ فيها في وَقْتٍ، وهو (٣): [من السريع]

تَبًَّا لها من بَلْدَةٍ لا أَرى … فيها مقامي واضِحَ النَّهْجِ


(١) البيتان للباخرزي، في ديوانه ١٠٠ - ١٠١. وبلا نسبة في الكشف والتنبيه ٢٤٦.
(٢) النخ: بساط طوله أكثر من عرضه. (القاموس).
(٣) البيتان في الغيث المسجم ١/ ١١٨ والكشف والتنبيه ٢٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>