المؤمنين عمر بن الخطاب أوّل من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ذي النورين، جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك، ومكسر الأوثان، وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان.
أيها الناس: ابشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم (١) من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في يد (٢) المشركين قريبًا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طريقه، بعد أن امتد عليها (٣) رواقه - واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده (٤) بالتوحيد، فإنه بني عليه (٥)، وأنه أسس بالتقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد ﵇، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، فهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومقر الرسل، ومهبط الوحي، ومنزل يتنزل فيه الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر (٦)، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين. وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ بالملائكة المقربين. وهو البلد الذي بعث الله إليه (٧) عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحه عيسى، الذي شرفه الله برسالته، وكرّمه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ (٨) وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٩) وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد (١٠) الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار. ولا يباريكم في شرفها مبار، وطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات البدرية، والعزمات الصديقية والفتوح (١١) العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والوقعات اليرموكية، والمنازلات الخيبرية. والهجمات الخالدية، فجازاكم الله عن
(١) المصادر الأخرى: عليكم. (٢) مصادر الخطبة: أيدي. (٣) في مصادر الخطبة: عليه. (٤) مصادر الخطبة: على التوحيد. (٥) بعدها في الأصل: التقوى. (٦) بعدها في الأصل: وهو في أرض المحشر. (٧) مصادر الخطبة: منه. (٨) النساء: ١٧٣. (٩) المائدة: ٧٢ (١٠) الأصل: ولا تعد. (١١) مصادر الخطبة: الفتوحات.