للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطيب في إزارٍ ولا أَثواب، حَتَّى إِذا قَيَّةَ النَّاسُ، وقُيِّضَ الباسُ، وقيل: هذا الشتاء قد آذَنَ بِذَهَابٍ، وهذا البَرْقُ لا تَفْضِيض منهُ لِمَنْثُورِ مَصاحِفِ السَّماءِ ولا إِذْهَابَ، آب منهُ ما ظُنَّ أَنَّهُ لَا يَؤوبُ إِلا بعد آب وأيلول، ولا يُرى إلى السَّنَةِ الْآتِيَةِ رُدْنُ رَوْضٍ مَبْلُولٌ.

وَأَقْبَلَ وَقد تَقَطَّعَ خَيْطُ مُزْنِهِ، وسَمَحَ منهُ بِالكَثِيرِ بعدَ طُولِ خَزْنِهِ، وجَاءَ وِعاءُ المَطَرِ في آخِرِ الشَّتاءِ مَحْلول الرباط، وكُلُّ ما كَنى عنهُ كَانُونُ صَرَّحَ بِهِ شُبَاطُ، فَجَاءَ لَا نَعْرِفُ أَيَّامَهُ مِنْ لَيالِيهِ، ولا رَوائِحَهُ من غَوادِيْهِ؛ وَتَواصَلَ مِدْرَارًا، وسال وسأَلَ اسْتِمْرارًا، واسْتَدْرَكَ فَائِتَ الغَمَامِ، وَأَقْبَلَ بِالسُّحُبِ الثِّقَالِ والبِحارِ العِظامِ، وَدَنا هَيْدَبُهُ مِنْ الأَرْضِ واقْتَرَبَ، وحَلَّ صَيِّبُهُ وِكَاءَهُ وَسَكَبَ بِأَفْوَاهِ القِرَبِ، وَحَلَّ صَبِيبَهُ إِلَّا أَنَّهُ مَا جَاءَ بِدِمْقَسِ حريرِهِ الأَبْيَض إلا محلولًا، ولا طارَ جَناحُ غَمَامِهِ الغِرْبِيبِ الأَسْوَدِ إِلَّا مَبْلُولًا، وَمَثَلَ فِيهِ السَّحابُ وَتَرْجَمَ عَنْ البَحْرِ بِفِيهِ، وَهَبَّتْ فِيهِ عَواصِفُ الشَّتاءِ وَكَانَ يُقالُ: إِنَّ رَوائِحَ الصَّيْفِ فِيهِ، إِلا أَنَّ سُيوفَهُ لم تُسَلَّ، وَأَيْدِي مُزْنِهِ فِي سَلاسِلِهِ لَم تُغَلَّ، وَصَوَارِخَ رُعودِهِ ما كان منها في هذِهِ السَّنَةِ فَتَاسٌ، وطُرُقَ أَنْوَائِهِ لم يَكُنْ مِنْهَا فِي هَذِهِ المُدَّةِ رَشَّاشِ، وإِنَّما جَاءَتْ وفاقًا، وأَتَتْ عَمْدًا وإِنَّما كَانَتْ اتفاقًا؛ والرَّكْبُ قد حُبِسَ وَمَا انْطَلَقَ، وَلَجَأَ إِلى ذُرْوَةٍ وخافَ الغَرَقَ، وأَضْحَتِ الإِبلُ فِي حَورانَ قَبْلَ رَمْلِ عَالِجِ بَوارِكَ، وسُرَّتْ فَلَجَأَتْ إِلى الشَّامِ بِمِثْلِ أَفْوَاءِ الهِجانِ الأَوارِكِ، وزادَ الأَمْرُ حَتَّى مُنِعَ طَوارِقُ أَخْبَارِهِمْ أَنْ يجين، وجُعِلَ زَادُ الحُجَّاجِ وَفَائِقُ أَخْبَارِهِمْ من عَجِينٍ، هذا وكم من جَمَلٍ قد كُسِرَ، وَرَجُلٍ مُطْلَقٍ في سَبيلِهِ فِي حِبالِ الشَّتاءِ وقد أُسِرَ، وذِي هِمَّةٍ كَانَ كَأَنْ لَمْ يُفَارِقِ المَدِينَةَ قد رَجَعَ، وَآخَرَ صَمَّمَ بِعِزِّ العَزْمَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَحْمَدِ المُنْتَجَعَ.

وكانَ الرَّكْبُ الحِجازي في هذِهِ السَّنَةِ بَحْرًا يَعُجُّ عَجاجُهُ، وبَرًَّا يَضِيقُ بِنازِلِيهِ فجاجُهُ، وأَكْثَرُ القَوْمِ غُرباءُ، فَجاؤوا من بَعِيدِ المَسْرِي، وَأَتَوْا مِنْ خَلْفِ دَارِ قَيْصَرَ وكسرى، ورَكِبُوا الأَهْوَالَ، وبَذَلوا الأَمْوالَ، وخاضُوا الأَوْحَالَ إِلَى هَذِهِ الأَحوال.

وقد حَبَّرَ المَملوكُ بِيضَ الصَّحائِفِ بِسَوادِ هذا الخَبَرِ، وعَبَّرَ عن بَعْضِ هَذِهِ العِبَرِ، وإِنَّمَا الأَجْرُ على قَدْرِ المَشَقَّةِ، ولولا هذا لما قاسَ ذِراعَ مَطِيِّهِ وقاسى تِلكَ الشُّقَّةَ، وَمَنْ عَرَفَ مَا يَطْلُبُ هانَ عليهِ ما يَبْذُلُ، والصَّعْبُ في لِقاءِ الحَبِيبِ يَسْهُلُ، وَهَؤلاءِ وَقْدُ اللهِ ورسوله والله ما يُضَيِّعُهُم، ولا يُنْسى لَدَيْهِ صَنِيعُهُمْ: [من الطويل]

وطوبى لِمَنْ أَمْسى على دارَةِ الحِمى … لَهُ مَنْزِلٌ أَوْ دُونَهُ بِقَليل

لا زالَتْ سَماؤُهُ مَصْحِيَّةً، وشُموسُ أَيَّامِهِ مَضِحْيَّةً.

<<  <  ج: ص:  >  >>