يُقَبِّلُ الأَرْضَ مَعْنى، وإِلا فَأَيْنَ الأَرْضُ؟ وَيَتَوَهَّمُ وُجودَها ذِهْنًا، وإِلا فهي مَفْقُودَةٌ لِيَوْمِ العَرْضِ، غَطَّتِ الأَمْطارُ ثَراها، وشَطَّتْ مَنازِلُها وبَعْدَ حِمَاهَا، وَحَطَّتْ بِها رَكائِبُ السُّيولِ فَاجْتَحَفَتْ تُرْبَها فَما نَراها (تُرْبًا)، وَبَلَغَ السَّيْلُ الرُّبَا لا الرُّبى، وَزَكَى الغَيْثُ وَنَمَتْ بَرَكاتُهُ وَرَبا، وأَقْبَلَ شُباط فما آب آب، وَوَلَّى تَمُوزُ هَرَبًا، فَأَيْنَ المَفَرُّ ولا عَاصِمَ؟ وأَيْنَ الخَلاصُ وَنَحْنُ بِمُدَى هَذِهِ البُروقِ في حَرِّ الغَلاصم؟ وكيفَ وُضُوحُ الحُجَّةِ لِلنَّجاةِ، وهذِهِ الرُّعودُ القاصِفَةُ تُخاصِمُ؟ وكيف وكيف وكيف؟ وهذا البَرْدُ قد فَعَلَ في الأَجْسامِ ما لا يَفْعَلُهُ ذُبابُ الصَّيْفِ، وأَهْوِنْ بِهِ، بَلْ ولا ذُبَابُ السَّيْفِ.
ويُنهي ورود الأبياتِ الدَّالِيَّةَ تَجُرُّ رِداءَ حُسْنِها، وتَصِفُ شِدَّةٍ حَلَّتْ بِنا، وما نَحْنُ وَزْنَ مُزْنِها، وتَسْرُدُ خَبَرَ النُّفوس التي ارْتاعَتْ في أَجْسادِها، وما كأَنَّها في كِنّها، وتَتَّصِلُ بِرَوْضَةٍ حَمائِمُها ساجِعَةٌ، وكَواكِبُ فَضْلِها للاسْتِقامَةِ رَاجِعَةٌ، وعُيونُ مَحاسِنِها تَسْهَرُ لَها العيون وهيَ مِلْءَ جُفونها هاجِعَةٌ، فَشَغَلَهُ حَلْيُها الذي لا يُعارُ لِسِواها، وبُهِتَ لِهَذِهِ النيراتِ التي رَفَعَ قَلَمُهُ سَمْكَها فَسَوَّاها، وَتَنَزَّهَ في نِفْسِها الذي أَغْطَشَ لَيْلَها، وطِرْسِها الذي أَخْرَجَ ضُحاها.
وقال: أَلا هَكذا فَلْيَكُنْ كلامُ مَنْ أَنْشا، وأَبْطَنَ المَعاني البَلِيغَةَ وغَشَّاهَا مِنَ الألفاظ وما غَشَّى، وكتب وهذا مَجاز، وإلا فالحقيقة أنَّهُ طَرَّزَ وطَرَّفَ، وَوَسَّعَ وَوَشَّى، وما يقولُ المملوكُ إِلا أَنَّ مَولانا مَلَكَ هذا الفَنَّ والنَّاسُ عليهِ عِيال، وهو يَمْشِي في نُورِ أَيَّامِ والنَّاسُ يَحْبِطُونَ في ظُلماتِ لَيالٍ، وهو يَقْطِفُ زَهْرَ الكَلامِ وَيَجْنِي ثِمَارَهُ، وغَيْرُهُ يَحْتَطِبُ شَوْكَ الرِّياحِ والسيال.
فلقد وَصَفَ هَذِهِ الشَّدائِدَ بِما وَصَفَ، وحكى الحال الذي كم بَارِقٍ فِيهِ لَمَعَ، وَكَمْ راعِدٍ قَصَفَ، وَأَطْرَبَ الأَلْبابَ فَلا خَدُّ وَرْدٍ إِلا فِي خَجَلٍ، وَلا غُصْنُ بِانٍ إِلَّا انْقَصَفَ؛ وهو حَرَسُهُ اللهُ تعالى إِذا وَصَفَ عَرَفَ ما يَقولُ، وأَتى بِما تَنْفَصِمُ لَهُ عُقودُ العُقولِ، وحَسَّنَ مَا يَهُونُ وَرَوَّعَ مَا يَهولُ، وأَوْضَحَ المَعانِي فَما تَخْفَى إِلا على غَبِيٍّ أَوْ جَهُولٍ، فالله يديم لنا هذه الفوائد التي هي لِذُنوبِ هَذِهِ الشَّدائِدِ كَفَّارَةٌ، ولهذِهِ السَّيِّئَاتِ الشَّتَوِيَّةِ غَفَّارَةٌ.
وقد أجاب المملوك عن هذِهِ الأَبياتِ الطَّائِلَةِ بِقُصُورِهِ، وَأَتَى بِأَكْوَاخِهِ الضَّيِّقَةِ إِلَى مَلِكِ الإِنْشَاءِ وهو في فسيحاتِ قُصورِهِ، وما ثَمَّ إِلا سِتْرُ مولانا الذي عَوَّدَ إِسْبَالَهُ،