للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحِلْمُهُ الذي يَسَعُ هَفَواتِ غَيْرِهِ، ولو أَنْصَفَ نَتَفَ سِبالَهُ؛ وهي (١): [من البسيط]

ما لِلْغَمَائِمِ قد أَرْسَتْ على البَلَدِ … ولم تُفارِقْ مَغانِيْهِ مَدَى الأَبَدِ

وحين لاحتْ على بُعد طلائعها … ساقَتْ إِلَيْنَا بَرِيدَ البَرْدِ وَالبَرَدِ

خاطَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَ السُّحْبِ فَالْتَأَمَتْ … هذا وخَيْطُ الحَيا خال من العُقَدِ

ولم تَبِتْ أَعْيُنُ الأَنْواء باكِيَةٌ … إِلا لِلْبَرْقِ فيها حُمْرَةُ الرَّمَدِ

كَمْ شَقَّقَ الرَّعْدُ جَيْبًا من سَحَائِبِهِ … وقَلَّبَ البَرْقُ فيها قَلْبَ مُرْتَعِدِ

يا للعَجِيبِ قِبَابُ السُّحْبِ قد وَقَفَتْ … هذا الزمان وما قامَتْ على عَمَدِ

فَاسْمَعْ حَدِيثَ عَناء قد أَحاطَ بِنا … من عَهْدِ نُوحٍ وحَتَّى الآن لم يَرِدِ

أَبو قِلابَةَ يَرْوِي اليَوْمَ عن مَطَرٍ … عن ثابت عنْ يَزِيدٍ وَاصِلَ السَّنَدِ

لا يُوحِشُ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يُقالُ لَهُ … شَمْسُ النَّهَارِ فَمَا تَبْدُو لِمُرْتَصِدِ

أَمَّا النُّجُومُ فَشَيْءٌ كَانَ فِي زَمَنِ … مَضَى حَمِيدًا فقَد وَلَّى ولم يَعُدِ

كذا الفراء وكانَتْ ذاتَ مَنْفَعَةٍ … «أَقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأَبَدِ» (٢)

وهكذا كُلُّ لِبْدٍ كُنْتَ تَعْهَدُهُ … «أَخْنَى عَلَيْهِ الذِي أَخْنَى على لُبَدِ»

وَمُذْ نَشَدْتُ ثِيابًا أَسْتَعِينُ بِها … «عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ»

قَدْ أَقْفَرَتْ راحتي من راحتي وخَلَتْ … «ولم أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ»

فَلا تَقُلْ إِنْ ذا لِلزَّرْعِ مَصْلَحَةٌ … «يَسْعَى لِنَفْعِي وَيَسْعَى سَعْيَ مُجْتَهِدِ» (٣)

فَلَيْتَ هذا الشَّتَاءُ الصَّعْبُ مُذْ وَقَعَتْ … «عَيْنِي عَلَيْهِ افْتَرَقْنَا فُرْقَةَ الْأَبَدِ»

بَرْد لو أنَّ الوَرى جَاءَتْ تُبايِعُني … على الخِلافَةِ لم أَقْدِرْ أَمُدُّ يَدِي

ما نَحْنُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ كي يطوف بنا الطـ … ـوفان فافْهَمْ لِتَعْرِيضي على بُعدِ

لَقَدْ سَكِرْنا مِنَ الهَمِّ المُبَرِّح لا … من راح راحة ساق فاتن الجَيَدِ

فالوكف راووقنا والبَيْتُ باطَيَةٌ … ونَحْنُ مِثْلُ حَبابٍ فِيهِ مُنْتَضَدِ

فالأنف باك لأَنَّ العَيْنَ جَامِدَةٌ … والجِلْدُ مِمَّا يُلاقِي عَادِمُ الجَلَدِ

قَدْ مَرَّ كَانُونُ خِلْوًا من أَذىً وقَذى … وجَمْرَةُ الشَّمْسِ لا تَخْبُو لِمُتَّقِدِ


(١) ستة من هذه الأبيات في الكشف والتنبيه ٢٣٣.
(٢) الأعجاز الآتية مضمنة من دالية النابغة الذبياني، ديوانه ٢٦٢.
(٣) هذا العجز والذي يليه مضمنان من قول أسامة بن منقذ في ضرس له قَلَعَهُ: [ديوانه ١٥٢ ومختصر تاريخ دمشق ٤/ ٢٦٠]:
وصاحب لا تمل الدهر صحبته … يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم يَبْدُ لي من تصاحبنا فحين بدا … لناظري افترقنا فرقة الأبد

<<  <  ج: ص:  >  >>