أَنْ وَجَدَ أَحَدَهُما مُوَشَّعًا بِالخَطِّ الكَرِيمِ البَهَائِي مَرْقُومُ، مُشْتَمْلًا على رِياضِ صَدَرَتْ من أَنامِلِهِ الشَّريفة عن غُيوم، وما جَعَلَهُ فِي أَثْناء ذلِكَ الكِتابِ إِلَّا خَشْيَةَ أَنْ يَبْدَهَ العُقولَ فَيَشْدَهَها بالخيالِ، وما كَانَ مَوْضِعُهُ الحَواشِي إِلا لِيُشْهِدَ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ عليهِ خَطُّ الكَمالِ، ولا عَدِمَ المَملوك من عَوارِفِهِ في تالِدِ الفَضْلِ وطارِفِهِ: [من الخفيف]
مُحْسِنًا لَمْ يَدَعْ لَنا بِأَيادِي … ـه على كَثْرَةِ الرَّجَاءِ رَجَاءَ
جادَ قَبْلَ السُّؤالِ بِرًَّا فَلَمَّا … لَم نَسَلَّ مِنْ نَدَاهُ جَادَ ابْتِدَاءَ
ولقد اسْتَدْرَجَ كَرَمُهُ لِسانَ المَملوكِ، عمَّا كانَ بِصَدَدِهِ مِنْ ذِكْرِ المُشَرَّفِ الوَارِدِ، وَوَصَفَ مِنَنَهُ التي تَثْبُتُ في الأَعْنَاقِ كالقَلائِدِ؛ فإِنَّ المَملوك كان قد سَكِرَ بِمَا أَدارَهُ القَلَمُ البهائي من كُؤُوسِ تَصْرَعُ الأَلباب، وتَضْرِبُ بَينَ المَرْءِ وعَقْلِهِ بِحِجاب، وقد آنَ لِلمَملوكِ أن يصحو، وأَن يَقْصِدَ طَريقَ الأَدَبِ ويَنْحو، فيقول: إِنَّ المُشَرَّفتينِ الكَريمتين وإِن ثُلُثَنا عَدَدًا، وَسَلَكتا طَرائِقَ قِدَدًا، فَدَرُّهُما مُؤْتَلِفٌ، وبِرُّهُما لا يَخْتَلِفُ، وَوَصَلَ قَرِينَهما ما أَنْعَمَ بِإِنْفَاذِهِ مِمَّا كانَ المَملوكُ الْتَمَسَهُ من كَرَمِهِ، وَاسْتَهْدَاهُ مِنْ مَواهِبِ قَلَمِهِ.
وأَمَّا ما كانَ بَلَغَهُ من الأخبار عن الجَنابِ الزَّيْني، فالجواب عنه قَوْلُ مِهيار.
وأما المراثي الشهابيَّةُ، فَنَظَمَ الجَنابانِ الشَّريفان العلائي والشهابي وَلَدا غانم أَبْقَاهُما الله تعالى قصيدتين، بل فريدتين، وكانَ الجَنابُ العالي ابن نباتة غائبًا عن مَوْتِهِ، فلمَّا حَضَرَ عَمِلَ قَصيدةً هَتَفَ بِها كلُّ سامِع، واسْتَبْكى بِها حَتَّى أَعْيُنَ النُّجومِ الطَّوالع؛ وعَمِلَ الأديب شمس الدِّينِ محمَّد الخَيَّاطِ مَرْثِيَّةٌ لم يُرْفَعْ لَها عَلَمٌ، ولا تَلَجْلَجَ بِها نَعَمٌ؛ وتَقدَّمَ من المَملوكِ نَظْمُ واحِدَةٍ، وبلغ المملوكَ أَمْرُ اقْتَضَى كَتْمَها، ويتناسى ما فيها؛ وعُقَيْبَها يُجَهّز بها وَرَقَةٌ مُحَبَّسَةٌ لِبَدائِعِها وحابِسَةٌ، ليقف عليها فَيَدفَعَ الأَرْبَعَةَ وَيَكْتُمَ الخَامِسَةَ، وأوصَلَ المَملوكَ إِلى اليَدِ الكَرِيمَةِ النَّاجِيَةِ، ابنِ المَقَرِّ الكَريمي، كِتابَهُ وقد وَعَدَ فِيهِ بالزِّيارَةِ، فَأَوْقَفَ اللُّواحِظَ دبادِبُ السُّبُلِ تَتَرَقَّبُ انْتِظَارَهُ، والمَسامِعَ رَبيئَةَ الرُّسُلِ لِتَتَسَمَّعَ أَخْبَارَهُ، والمُسْتَمَدَّ مِنْ تَفَضُّلِهِ أَنْ يُواصِلَ بِخِدَمِهِ ما دامَ في قَوْسِ القَطيعةِ مَنْزَعٌ، ولِلرَّأي تَرَدُّدٌ يُخْشى ويَتَوَقَّعُ، والله تعالى يُقَرِّبُهُ مقيلًا، ولا يُعْدِمُ المَملوكَ خَليلًا على الحقيقةِ جَلِيلًا، بِمَنْهِ وَكَرَمِهِ.
التخريج:
ألحان السواجع ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.