للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٧]

قال الصفدي:

وكتب [العمري] إليَّ بِصَفَدَ المحروسة في سنة ٧٢٠ جوابًا عن كتابٍ عَطَفْتُهُ على مُوَشَّحَةٍ نَظَمْتُها مُعارِضًا بِها الموصلي أحمد بن حسن، وسوف يأتي ذِكْرُها في ذِكْرِ جمال الدين يوسف الصوفي في حرف الياء:

لا زالَتِ البَلاغَةُ جَنى غرْسِها، والبَراعَةُ شَأْنَ نَفْسِها، وقَبَّلَ المَملوك تلك العقائل الطَّالِعَة، واسْتَشْفَى بتِلكَ المَواهِبِ النَّافِعَةِ؛ وفَهِمَ المَملوكُ الإِشارَةَ في تَأْخِيرِ الجَوابِ البهائي، وقد عَلِمَ اللهُ أَنَّ المُشَرَّفَ المُشارَ إِليهِ حِينَ وَرَدَ اسْتَبَقَ نَظَرُ المَملُوكِ وَبَنانُهُ إِلَى تَأمُّلِهِ والإِجابَةِ عنه، وازْدَحَمَتْ في طَريقِ نُطْقِهِ أَلْفاظُها، والأَلْفاظُ المَنْقُولَةُ مِنهُ، وجَهَّزَهُ مع قاصد، لا شَكٍّ أَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ هُدَاءِ القَوْلِ، فَنَبَذَهُ ظِهْرِيًَّا، وجَعَلَهُ نَسْيًا مَنْسِيًا، ولم يَتَأَخَّرِ المملوك مُحْجِمًا، مع عِلْمِهِ بِأَنَّ الإِحْجَامَ كانَ بِمِثْلِهِ أَلْيَقَ، لِيَسْتُرَ تَقْصِيرَهُ، ويُخْفِي عُيوبَ فَهَاهَتِهِ، ويُحيل المُحْسِنَ على إِحْسانِهِ الذي يكفيه مُجازِيًا ويُمائِلُهُ مُجاريًا.

وقد أعاد المملوك إلى الجَنابِ البهائي خِدْمَةً ثانية، لعلَّ فَصاحَةَ المَولى في الإيرادِ تُعديها فَتُلْبِسُها المَحاسِنَ، وتُكسيها المَيامِنَ.

وأَمَّا إِشَارَةُ المَولى إلى المُوَشَّحَةِ التي عارَضَ بها المَوْصِلِيَّ فِي الوَزْنِ وَالرَّوِيِّ مُلتزمًا ما جاءَ بِهِ المُشارُ إِليهِ في عَفْوِ فَريحَتِهِ من الغُصونِ والأَقْفَالِ، وَنَسْجِهِ على ذلك المِنْوَالِ، فَقد تَأَمَّلَها الخادِمُ واستملاها، واسْتَجْلاها واسْتَحْلاها، وأَحْضَرَها مع مُوَشَّحَةِ المَوْصِلي، فَأَقْسَمَ بِالشَّمْسِ وضُحاها، وذَكَرَ بِها فَريدَةَ الجَمالِ، فقال: والنَّهارِ إذا جلاها، والقَمَرِ إِذا تَلاها، واللَّيْلِ من سَوادِ وَجْهِ مُعارِضِها إِذا يَغْشاها؛ وَتَمَثَّلَ القوافي على غُصونِها حَمائِمَ، والحَشْوَ على سَجَعاتِها كَمائِمَ، وَعَذَرَها في اتخاذ الأَقْفَالِ على ما صانَ من دُرِّها وصاغَ من تِبْرِها، وقابلها بكل ما قيل في هذا النوع فَوَجَدَها كاسِفَةً، وماثلها بِأَمْثالِها فَغَدَتْ على حظها إِذا قِيْسَتْ أَحاسِنُ المَحاسِنِ آسِفَةً، ولقد وَقَعَتْ مَوْقِعَ الاسْتِحْسانِ، وَأَتَتْ كامِلَةَ الإِحْسانِ؛ لو اهْتَدَتِ العَرَبُ الأُولى إلى طريقها لَعَدَلَتْ إِلَى المُوَشَّحات عن القصائِدِ، ولو أَلِفَها الفَتْحُ بن خاقان لاسْتَفْتَحَ بِفَرائِدِها ما أَلَّفَ من القَلائِدِ، وقد عَطَفَها المملوك على مُوَشَّحَةِ المولى جَمالِ الدِّين مُقْتَضَبَةً مِمَّا كُتِبَ عليها من أَثْنِيَةِ بُلَغاءَ لم يُقَدِّروها حَقَّ قَدْرِها، ولا نَهَضُوا بِشُكْرِها، مع إطالَةٍ تُفْضِي بِمُطالِعِها إِلى المَلَلِ، وتشرحُ بَدائِعَها على وَجْهِ الجُمَلِ، عَارِيَةٌ مِمَّا حُلِّيَتْ بِهِ من وَصْفِهِمْ، إِذا كانَتِ المَليحَةُ تَغْنى عن حُلِيِّ وعن حُلَلٍ؛ فَإِنَّ المَلوكَ آثَرَ اسْتِنْسَانَها،

<<  <  ج: ص:  >  >>