قلت، ولا امرأ القيس لما باليت. ومرّت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق لهم في زمانها إلا تذكره، ولا من إحسانها إلا ما تشكرُهُ. وأكثَرُ شِعْرِه - لا بَلْ كله - رشيق الألفاظ، سَهْل على الحُفَّاظ، لا يخلو من الأمثال العامية، وما تحلو به المذاهب الكلامية، فلهذا عَلِقَ بِكُلِّ خاطِرٍ، وَوَلِعَ به كلُّ ذاكر، وعاجله أَجَلُه فاخْتُرِمَ، وأُحْرِمَ أحبابه لذة الحياة وحُرِمَ.
ذكر شيخنا أبو حيان وهو آخر من ذَكَرَه في مجاني العصر، وقال: مَولِده بالقاهرة في عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وستين وستمائة، ومما أنشد له قوله في طبّاخ (١): [من مجزوء الرمل]
رُبَّ طباخ مليحٍ … فاتر الطرف غرير
مالكي أصبح لكن … شغلوه بالقدور
وقوله (٢): [من السريع]
أسير أجفان بخدٍّ أَسيل … كليمُ أحشاء بطرف كليل
في حب من حظي كشعْرٍ له … لكن قصير ذا وهذا طويل
ليس خليلًا لي ولكنّه … يُضَرِمُ في الأحشاء نار الخليل
يا ردفَهُ جُرْتَ على خَصْرِهِ … رفقًا به ما أنت إلا ثقيل
وقوله (٣): [من الهزج]
وقد سود حي منـ … ك يا أبهى الورى غُرّه
سواد الخال والعارِ … ضِ والمقلة والطره
قديمُ الهَجْرِ من لفتى … قديم في الهوى هَجَرَه
رأينا من جفًا وجنًا … ولكن زِدْتَ في كره
فهل تسنح أو تسـ … مح بالوصل ولو مره
فقد أصبحت لا أملـ … ـك من صبري ولا ذرّه
وقد صيّرني هجر … ك في كس أخت ما أكره
عذيري فيه من قمر … يريك بخده الزهره
إذا قارن بالأكؤ … س إذ يشربها ثغره
(١) البيتان في ديوانه ١٤٠.
(٢) من قطعة قوامها ٨ أبيات في ديوانه ٢٣٥.
(٣) من قصيدة قوامها ١٣ بيتًا في ديوانه ١٢٦ - ١٢٨.