للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولِلنَّسيمِ شَذًَا ما كنتُ أَعهَدُهُ … لَوْ لَمْ يَهبَّ الشَّذَا الحَضْرِيُّ والمِدَحُ

بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ مِصْرُ بَاسِمَةٌ … وَقَدْ ثَنَى مِعْطَفيها الدَّلُّ والمَرَحُ (١)


(١) يوسف بن أيوب بن شاذي، أبو المظفر، صلاح الدين الأيوبي، الملقب بالملك الناصر: من أشهر ملوك الإسلام. كان أبوه وأهله من قرية دوين (في شرقي أذربيجان) وهم بطن من الروادية، من قبيلة الهذانية، من الأكراد. نزل بتكريت، وولد بها صلاح الدين سنة ٥٣٢ هـ/ ١١٣٧ م وتوفي فيها جده شاذي. ثم ولي أبوه (أيوب) أعمالًا في بغداد والموصل ودمشق. ونشأ هو في دمشق، وتفقه وتأدب وروى الحديث بها وبمصر والإسكندرية، وحدّث في القدس. ودخل مع أبيه (نجم الدين) وعمه (شيركوه) في خدمة نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي (صاحب دمشق وحلب والموصل) واشترك صلاح الدين مع عمه شيركوه في حملة وجهها نور الدين للاستيلاء على مصر (سنة ٥٥٩ هـ) فكانت وقائع ظهرت فيها مزايا صلاح الدين العسكرية. وتم لشيركوه الظفر أخيرًا، باسم السلطان نور الدين، فاستولى على زمام الأمور بمصر، واستوزره خليفتها العاضد الفاطمي. ولكن شيركوه ما لبث أن مات. فاختار العاضد للوزارة وقيادة الجيش صلاح الدين، ولقبه بالملك الناصر. وهاجم الفرنج دمياط، فصدهم صلاح الدين. ثم استقل بملك مصر، مع اعترافه بسيادة نور الدين. ومرض العاضد مرض موته، فقطع صلاح الدين خطبته، وخطب للعباسيين، وانتهى بذلك أمر الفاطميين. ومات نور الدين (سنة ٥٦٩) فاضطربت البلاد الشامية والجزيرة، ودعي صلاح الدين لضبطها، فأقبل على دمشق (سنة ٥٧٠) فاستقبلته بحفاوة. وانصرف إلى ما وراءها، فاستولى على بعلبك وحمص وحماة وحلب. ثم ترك حلب للملك الصالح إسماعيل بن نور الدين، وانصرف إلى عملين جديين: أحدهما الإصلاح الداخلي في مصر والشام، بحيث كان يتردد بين القطرين، والثاني دفع غارات الصليبيين ومهاجمة حصونهم وقلاعهم في بلاد الشام. فبدأ بعمارة قلعة مصر، وأنشأ مدارس وآثارًا فيها. ثم انقطع عن مصر بعد رحيله عنها سنة ٥٧٨ إذ تتابعت أمامه حوادث الغارات وصد الاعتداءات الفرنجية في الديار الشامية، فشغلته بقية حياته. ودانت لصلاح الدين البلاد من آخر حدود النوبة جنوبًا وبرقة غربًا إلى بلاد الأرمن شمالًا، وبلاد الجزيرة والموصل شرقًا. وكان أعظم انتصار له على الفرنج في فلسطين والساحل الشامي «يوم حطين» الذي تلاه استرداد طبرية وعكا ويافا إلى ما بعد بيروت، ثم افتتاح القدس (سنة ٥٨٣) ووقائع على أبواب صور فدفاع مجيد عن عكا انتهى بخروجها من يده (سنة ٥٨٧) بعد أن اجتمع لحربه ملكا فرنسا وانكلترة بجيشيهما وأسطوليهما.
وأخيرًا عقد الصلح بينه وبين كبير الفرنج ريكارد قلب الأسد Richard Coeur de Lion (ملك انكلترة) على أن يحتفظ الفرنج بالساحل من عكا إلى يافا، وأن يسمح لحجاجهم بزيارة بيت المقدس، وأن تخرب عسقلان ويكون الساحل من أولها إلى الجنوب لصلاح الدين. وعاد «ريكارد» إلى بلاده. وانصرف صلاح الدين من القدس، بعد أن بنى فيها مدارس ومستشفيات. ومكث في دمشق مدة قصيرة انتهت بوفاته سنة ٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م. وكان رقيق النفس والقلب، على شدة بطولته، رجل سياسة وحرب، بعيد النظر، متواضعًا مع جنده وأمراء جيشه، لا يستطيع المتقرب منه إلا ان يحس بحب له ممزوج بهيبة. اطلع على جانب حسن من الحديث والفقه والأدب ولا سيما أنساب العرب ووقائعهم، وحفظ ديوان الحماسة. ولم يدخر لنفسه مالًا ولا عقارًا. وكانت مدة حكمه بمصر ٢٤ سنة، وبسورية ١٩ سنة، وخلف من الأولاد ١٧ ذكرًا وأنثى واحدة. وللمصنفين كتب كثيرة في =

<<  <  ج: ص:  >  >>