أَبُنيَّ إِنْ تَبعَد فإن مدَى اللّقا … بَيني وَبَينَكَ مُسرِعُ التَّيَارِ
كيف الحياة وقد دَفَنْتُ جوانحي … ما بين أنجاد إلى أغوار
وحَوَى بُنيَّ تُرابُ مِصرَ وجِلّقٍ … كالغيم مرتكما على أقمار
طَرَقَتْ على تلك العُيونَ طَوَارقَ … وَطَرَتْ على تلك الجسوم طوارى
وَبَدَتْ لدى البيدا مطي قبُورِهِمْ … عَلَمًا بأنهم على أسفار
قسمًا بِمَنْ جَعَلَ الْفَناءَ مَسافَةً … إِنَّا على خطر من الأخطار
نَجْلُو عَواقِبَ أَمرِنا بقرائح … فُطُنٍ ونَسلُكُ مَسْلَكَ الأَعْمارِ
قُلْ لِلذين تقدَّمت أمثالُهُمْ … أَينَ الفِرارُ ولاتَ حِينَ فِرارِ
ما بين أشهب للظلام مُعاوِدٍ … رَكضًا وأَدْهَمَ لِلدُّجَى كَرَّارِ
يَطأُ الصغيرَ ومَن يُعَمَّرْ يَلتحق … وعليه من شَيْبٍ كنقع غُبارِ
مالي وعَتْبُ الشهب في تقديرها … ولقد تُصاب الشهب بالأقدار
لا عَقْرَبُ الفَلَكِ اللَّسُوبِ من الردى … تنجو ولا أسد البروج الضاري
يرمي الهلال بقوسه أرواحنا … ولقد يُصاب القوس بالأوتار
كتب الفناء على الشواهد حُجَّةً … غَنيتْ عن الإقرار والإنكار
فلتُظهر الفِطَنُ الثَّواقِبُ عَجِزَها … فظهوره سر من الأسرار
وليصطَبِرْ مُتفجِّعُ فَلرُبَّما … فَقَد المُنى ومَثوبة الصَّبار
أين الملوك المُرقِلونَ إلى العُلا … عثروا إلى الأجداث أَيَّ عشار
كانوا بالًا لا تُرامُ فأصبحوا … بِيَدِ الرَّدَى حَفَّنات تُرْبِ هَارِ
أَينَ الكُماة إذا العجاجة أظلمتْ … قَدَحُوا القِسي وناضلوا بشرار
سلموا على عَطَبِ الوَغَى ودجا بِهمْ … دَاجِي المَنون إلى مَحَلِّ بَوارِ
أين الأصاغر في المهودِ كأَنَّما … ضُمَّتْ كمائمها على أزهار
خَلَطَ الحِمامُ جُسومهم ولحومهمْ … حَتَّى تساوي الدُّرُّ بالأحجار
فَلَئِنْ صَبرتُ ففي الأولى مُتصبّرٌ … وَلَئِنْ بدا جَزَعِي فَغَن أعذار
دَرَّتْ عليكَ مِنْ الغَمام مَراضِعٌ … وتَكنفتك من النجوم جواري
تسقي تراك وليسَ ذَاكَ بنافعي … لكن أُغالط مهجتي وأداري
وقوله (١): [من السريع]
لا أَظْلِمُ الشَّيْبَ فمِن قَبلِه … لم يَكُ لي في طيبِ عَيشٍ نَصيب
كلًا ولا قبلَ سَوادِ الصّبا … كأَنَّما أَبيضُ خَدِّي مَشِيبٌ
(١) البيتان في ديوانه ٥٩.