دَعَا التَجلُّدُ صَبري يومَ رِحلتهِ … فَقلتُ لا ودَعَا سقمي فقلتُ هَلا
سَقْمٌ مَلكتُ بِهِ مَعْنَى النُّحولِ فَإِنْ … جاءَ الخِلالُ بِسقم جاءَ مُنتَحِلا
ومقلة قد طَغَى إنسانُ ناظرِها … وكان أكثر شيء بالبكا جَذَلا
لا نِلْتُ قُربَكِ في دار النعيم غدًا … إن كان قلبي المُعنَّى عن هَواكَ سَلا
يا مُنيةَ الصَّبِّ أَمَّا تُكْلُ مُهجته … فقد أقام وأَمَّا صَبرُها فَجَلا
سقَى ضريحكِ رِضوانٌ ولا بَرِحَتْ … رَكائِبُ السُّحْبِ في أقطارِهِ ذُلُلا
ما أحسن العيش في عيني وأنتِ به … أما وأنت بأكناف الترابِ فَلا
وقوله (١): [من الطويل]
هجرْتُ بَديعَ القولِ هَجْرَ المُبايِنِ … فَلا بالمُعاني لا ولا بالمعاين
وكيف أعاني سجعة أو قَرِينةً … وقد فُقِدَتْ مِنِّي أَجَلُّ القرائن
ثَوَتْ في مهاوي التُّربِ كالتَّبْرِ خالصًا … فحققتُ أنَّ التُّربَ بعضُ المعادن
فوالله ما أدري لحسن خلائقٍ … تَسِحُ جُفوني أَمْ لِخُلْقٍ مَحاسِنِ
دفنتك يا شخص الحبيب ولو بدا … لعينيك حالي خِلْتَ أَنكَ دافني
كلانا على الأيام بَالٍ وإنّما … أَشَدُّ البلا بين الحشا كل كامن
إلى اللَّهِ أَشكُو يومَ فَقدكِ إنه … عليَّ ليوم الحَشْرِ يَومُ التَّعَابُنِ
فقدتُكِ والسَّرا وقلبي والصبا … فيا لِكَ مَنْ فقد لِفَقد مُقارِنِ
وكنتُ أَخافُ البين قبلكِ والنوى … فأصبحت لا أسى على إثر بائِنِ
كأنكِ بادرت الرحيل تخوّفًا … عَليَّ من الحُسْنِ الذي هُوَ فَاتني
فديتكِ مَنْ لي من سَناكِ بِلمحَةٍ … ويَنزِلُ بي من بعدها كلُّ كائن
أَأَنسى قوامًا ثَقَّفَ الحُسْنُ رُمحَهُ … فَما فِيهِ مِنْ عَيبٍ يُعَدُّ لِطاعِنِ
وَوَجها حكَى من حُسنِهِ كلَّ مُقمِرٍ … ولحظًا روَى عن طرفهِ كُلُّ شَادِنِ
فوا أَسَفًا حتى أُوَسَّدَ في الثَّرَى … ويدني الردى منا مقيمًا لظاعن
وياليت شعري في القيامةِ هَلْ أَرَى … مَحاسنَها ما بين تلك المواطن
رشاقة ذاك الخط فوقَ سِراطهِ … وَدِينارُ ذاكَ الخَدِّ بين الموازن
سقتكِ غَوادِي المُزْنِ إني ظامئ … إلى القُرب طوعًا للزمان المُحارِنِ
شكرْتُ زَمانًا جارَ بَعدَ أحبتي … وبالغ في العدوى وبَثَّ الضغائن
فلو طاب لي [يومًا] حياتي بَعدَهُمْ … وكنتُ ألاقيهِمْ بِطلعة خائن
(١) القصيدة في ديوانه ٥١٦ - ٥١٧.