وآنسة قد كان لي حُسْنُ عِطْفِها … فَلَمْ يَبْقَ لي إلا نداها ونعتها
أنادي ترى الحسناء والتُربُ بينَنا … وعَزَّ على سمع المتيم صمتُها
كَفَى حَزَنًا أَنْ لا مُعِينَ على الأَسَى … سِوَى أَنَّةٍ تحت الظلام بعثتها
وتنميقُ أَلفاظ عليكَ رَقيقة … كأَنّي من نثر الدموع نظمتها
قضيت فما في العيش بعدَكِ لَذَّةٌ … ولا في أمانٍ لَو بَقِيتِ بَلِعْتُها
سلام على الدنيا فقد رَحلَ الذي … تطلّبتها من أجلهِ وأَردتُها
وقوله (١): [من بسيط]
حاشاك من وحشة تحت الثرى وبلى … يا سائرًا صِرتُ في حُزْني لهُ مَثَلا
سقيًا لقبرك والأيام عاطفةٌ … والقلبُ يَسْحَبُ أَدْيَالَ الهَنا جَذِلا
والسمع قد صُمَّ عن نجوى عَواذِلِهِ … وسَيفُ لحظكَ عِندي يَسْبِقُ العَدَلا
حيثُ التبسُّمُ طَلاعُ الثَّنيةِ من … فَرْطِ السرور ونشر الطلعة ابنُ جَلا
فَبينما أنا معطوف على سَكَن … حتى تحركت الأيام فانتقلا
أشكو إلى الله بينًا لا انقضاءَ لَهُ … ورِحْلَةً لِلنَّوى لا تُشبه الرِّحَلا
بينًا أرى فيه للنعش انبعاث سُرى … لا ناقةً لِلسُّرى فيه ولا جَمَلا
لهفي عليكِ وهَلْ لَهفي بنافعةٍ … إذا تَحدَّرَ دَمع العين وانهملا
لم يترك الدهر من أوقاتِ مُنتظرِي … إِلا أَواخِرَ عُمْرٍ تَنَدُبُ الأولا
وتُربة يتلقى الحُزنَ زائرها … كأَنَّما تُنبِتُ التبريح والوَجَلا
حديثة الظهر إلا أَنَّ باطنها … قد استجنَّ جَناب الروضة الخضلا
أستوقف الجَسَد المَضنَى لأندبها … يا مَنْ رأى نَادِيًا يستوقِفُ الصَّلَا
مُتيّمًا نَصَلتْ فَؤدا شبيبته … وقلبه من حداد الحُزْنِ ما نصلا
يا غائبًا ذهَبَتْ أَيدي الحمام بِهِ … بُعْدًا ليومك ماذا بالحَشَا فَعَلا
إِنْ يَنأَ شخصُكِ إِنِّي بَعدَ فُرقَتهِ … (أَدْنَى وأيسر ما قاسيت ما قتلا)
أو ينقضي للمنايا بَينَنا شُغُلٌ … فقدْ تَركْنَ لقلبي بالأسى شُغُلا
آها لقطف معانٍ منكِ ذي نَسَقٍ … جَعَلْتِ مِنْ بَعْدِهِ نَارَ الأَسَى بَدَلا
هلا بغيرك ألقى الموتُ جانبَهُ … لقد تَأَلَّقَ فيك الموتُ واحتفلا
هلًا قَضَى غُصْنُكِ الزَّاهِي شَبيبتَهُ … فَما تَرعْرَعَ حتى قيل قد ذَبَلا
أفدي الذي كان لي عيشًا أَقَرُّ بِهِ … فَما أُبالي أجاد العيش أَمْ بَخِلا
(١) القصيدة في ديوانه ٥٥٧ - ٥٥٨.