للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللاهوت بالناسوت، إنما هو كله على أناجيلهم، وألفاظ تعلقوا بها مما في كتب اليهود كالزبور، وكتاب أشعيا، وكتاب إرميا، وكلمات يسيرة من التوراة، وكتب سليمان، وكتاب رحريا، وقد نازعتهم اليهود في تأويلها فحصلت دعوى مقابلة لدعوى، وما كان هكذا فهو باطل، وقد تبين فساد تلك الكتب وأنها مفتعلة مبدلة للاختلاف في نصوصها، وانقطاع الطريق منهم إلى من نسبت إليه تلك الكتب بما لا يمكن لأحد دفعه البتة.

ولإقرار النصارى بأن أناجيلهم ليست منزلة، ولكنها كتب موافقة لرجال ألفوها فبطل كل تعلّق لهم. وقال ما معناه: إنهم استندوا إلى التوراة التي بأيدي اليهود مع مخالفتهم لها وتكذيبهم لنصّها، ولا يصح الاحتجاج بتصحيح ما يكذب.

قال (١): ادعى علماء النصارى أنهم اعتمدوا على التوراة التي ترجمها السبعون شيخًا لبطليوس لا على التي كتب عزرا الوراق، واليهود مؤمنون بكلتا النسختين والخلاف عند النصارى موجود فيها؛ لأن في توراة اليهود - التي لا اختلاف فيها بين الربانية والعانانية والعيسوية منهم -: إن آدم لما عاش ثلاثين ومائة سنة ولد كشبهه وجنسه وسماه شيت. وفي توراة اليهود: إنّ شيت لما عاش خمسين ومائة سنة ولد أينوش، وفي توراة اليهود: ان إينوش لما عاش تسعين سنة ولد قينان وفي توراة اليهود ان قينان لما عاش سبعين سنة ولد له مهلال. وعند النصارى ان قينان لما عاش مائة سنة وسبعين سنة ولد مهلال، وفي توراة اليهود: «انّ مهلال لما عاش خمسًا وستين سنة ولد يارد». واتفقت الطائفتان في عمر يارد إذ ولد له أخنوخ.

وأطال أبو محمد بن حزم في هذا الإظهار تكذيب النصارى بما احتجوا به، وقال - بعد ذلك - (٢): فتولد بين الطائفتين من الاختلاف المذكور زيادة ألف عام وثلاثمائة وخمسين عامًا عند النصارى في تاريخ الدنيا على ما هو عند اليهود في تاريخها؛ وهي تسعة عشر موضعًا فوضح اختلاف التوراة، ومثل هذا من التكاذب لا يجوز أن يكون من عند الله - تعالى - أصلًا، ولا من قول نبي البتة، ولا من قول صادق عالم من عرض الناس فبطل بهذا بلا شك أن تكون التوراة. وتلك منقولة نقلًا يوجب صحة العلم لكن نقلًا فاسدًا مدخولًا مضطربًا.

قال (٣): وفي إنجيل متى: ان المسيح، قال لهم: ليكن دعاؤكم على ما أصف: يا أبانا السماوي تقدّس اسمك، ثم قال - بعد ذلك - وقد علم أبوكم أنكم ستحتاجون


(١) الفصل ١/ ٢٥٧.
(٢) الفصل ١/ ٢٥٩ وما بعدها.
(٣) الفصل ١/ ٢٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>