وقال ابن سعيد في كتابه: البطارقة للنصارى بمنزلة الأئمة أصحاب المذاهب للمسلمين، والمطارنة مثل القضاة، والأساقفة مثل المفتين، والقسيسيون بمنزلة القراء، والجاثليق بمنزلة الإمام الذي يؤم في الصلاة. والشمامسة بمنزلة المؤذنين وقومة المساجد.
وأما صلوات النصارى، فهي سبع عند الفجر والضحى والظهر والعصر والمغرب والعشاء ونصف الليل. يقرؤون فيها بالزبور المنزل على داود تبعًا لليهود. والسجود في صلاتهم غير محدود، وقد يسجدون في الركعة الواحدة خمسين سجدة، ولا يتوضأون للصلاة، وينكرون الوضوء على المسلمين؛ واليهود يقولون: الأصل طهارة القلب.
وقال الخرقي في نهاية الإدراك في دراية الأفلاك: إنَّ للنصارى أعيادًا وصيامات، فمنها صومهم الكبير وهو تسعة وأربعون يومًا، أولها يوم الاثنين، وهو أقرب اثنين إلى الاجتماع الكائن فيما بين اليوم الثاني من شباط إلى اليوم الثامن من آذار؛ فأي اثنين كان أقرب إليه؛ أما قبل الاجتماع، وأما بعده؛ فهو رأس صومهم.
ثم وجدت ضابطًا لرأس صومهم أصح مما ذكر وهو أن ينظر إلى الربح وهو سادس كانون الثاني في أي شهر هو من الشهور العربية، ثم ينتقل إلى سابع وعشرين الشهر العربي الذي يليه من حين رؤية الهلال؛ فإن كان يوم الاثنين، فهو رأس صومهم، وإلى ثاني اثنين كان أقرب إليه قبله أو بعده، فهو رأس صومهم وفطرهم أبدًا يكون يوم الأحد الخمسين من هذا الصوم، وسبب تخصيصهم هذا الوقت بالصوم أنهم يعتقدون أن البعث والقيامة يكونان في مثل يوم الفصح وهو اليوم الذي قام فيه المسيح من قبره بزعمهم.
ومن أعيادهم الشعانين الكبير وهو يوم الأحد الثاني والأربعين من الصوم، وتفسير الشعانين التسبيح؛ لأنَّ المسيح دخل في يوم الشعنينة المذكور إلى القدس راكب أتان يتبعها جحش فاستقبله الرجال والنساء والصبيان وبأيديهم ورق الزيتون، وقرأوا بين يديه التوراة إلى أن دخل بيت المقدس واختفى عن اليهود يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، وغسل يوم الأربعاء أيدي أصحابه الحواريين وأرجلهم ومسحها في ثيابه؛ وكذلك يفعله القسيسون بأصحابهم في هذا اليوم، ثم أفصح في يوم الخميس بالخبر وصار إلى منزل واحد من أصحابه.
ثم خرج المسيح ليلة الجمعة إلى الجبل فسعى به يهوذا. وكان أحد تلامذته إلى كبار اليهود، وأخذ منهم ثلاثين درهمًا رشوة، ودلهم عليه فألقى الله تعالى شبهه على يهوذا - المذكور - فأخذوه وضربوه ووضعوا على رأسه إكليلًا من الشوك، وأنالوه كل مكروه وعذبوه بقية تلك الليلة - أعني ليلة الجمعة - إلى أن أصبحوا فصلبوه بزعمهم أنه المسيح على ثلاث ساعات من النهار المذكور، وتسمّى جمعة الصلبوت، وصلب معه لصان على جبل يقال له الجمحة واسمه بالعبرانية كاكلة.