فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه عثمان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله ﵃ فجاء بهم إلى النبي ﷺ فأسلموا وصلوا وكان رسول الله ﷺ يقول:«ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده فيه كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه».
ثم أسلم أبو عبيدة، وأبو سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون، وأخواه قدامة، وعبد الله، وعبيدة بن الحارث، وأسماء بنت أبي بكر وعائشة - وهي صغيرة - وخباب بن الأرت، وعمير بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وصهيب الرومي، وسعيد بن زيد وزوجه فاطمة بنت الخطاب - أخت عمر.
ولما مضت ثلاث سنين للنبوة أمره الله أن يصدع بما جاءه، قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
وقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢).
فلما صدعهم بما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها.
ومضى رسول الله ﷺ فيما أمر به، لا يرده شيء، فلما رأت قريش منه ذلك، وأن عمه أبا طالب لا يسلمه مشى رجال منهم إلى أبي طالب وقالوا: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا، فانصرفوا، ومضى رسول الله ﷺ.
ثم سري الأمر [بينه و] بينهم، حتى تضاغنوا، ثم أتى القوم أبا طالب فقالوا له مثل قولهم الأول، فأتاه أبو طالب فقال: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
وظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه [بداء] فقال: «ياعم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ماتركته»، ثم بكى رسول الله ﷺ وقام.
فلما ولى قال له أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل، ثم قال له: يا ابن أخي، اذهب فقل ما أحببت، والله لا أسلمك لشيء أبدا.
(١) سورة الحجر: الآية ٩٤. (٢) سورة الشعراء: الآية ٢١٤.