للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلى الربيع (١)، وجعلت إليه اعتذر، فقال: لا عليك، فدخل عليه بالكتاب، ثم خرج الربيع فقال للناس: أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد دُعِيتُ إلى مجلس الحكم، فلا أَعْلَمَنَّ أحدًا قام إلى إذا خرجت أو بدأني بالسلام، ثم خرج، والمسيب بين يديه والربيع وأنا خَلْفَه، فسلّم على الناس، فما قام إليه أحد، ثم مضى حتى بدأ بالقبر، فسلم ثم الْتَفَتَ إلى الربيع وقال: يا ربيع، ويحك أخشى إن رآني ابن عمران أن يدخل قلبه لي هيبة فيتحوّل عن مجلسه، وتا الله إن فعل لا ولي لي ولاية أبدًا، فلما رآه وكان متكئًا، أطلق رداءه عن عاتقه ثم احتبى به، ودعا بالخصوم والحمالين، ثم دعا بالمنصور فسوى بينهم، ثم ادعى عليه القوم فقضى لهم، فلما دخل الدار قال للربيع: اذهب، فإذا قام وخرج من عنده الخصوم فادعُه، فقال: يا أمير المؤمنين: إنه ما دعا بك إلا بعد أن فرغ من أمور الناس، فمضى ودعاه، فلما دَخَلَ عليه سلّم، فقال له: جزاك الله عن دينك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء، لقد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها، فكانت عامة أموال محمد بن عمران من تلك.

وحكى البلاذري قال (٢): ما كان المنصور يستصبح إلا بالزيت في القناديل، وربما خرج إلى المسجد ومعه مَنْ يحمل سراجًا بين يديه، ثم إنه حمل بين يديه ما فيه الرطل والمنا (٣)، وكان إذا أراد قراءة الكتب أو كتابتها، أحضر شمعة في تور (٤) ثم إذا فرغ رفعها، وكان لا يرى إلا الاقتصاد في كل أموره والاقتصار على الضروري الذي لا بد منه.

وكان أبو عبيد الله الكاتب يقول: كان المنصور يعطي الناس في حق وأعلمهم (٥) بحرمة، وأشَدّهم شكيمة على عدو، وكان أمره جدا كله وسمع (٦) المنصور جَلْبةً في داره، فقال: ما هذا؟ فإذا خادم له قد جلس وغلمة حوله وهو يضرب لهم بطنبور، وهم يضحكون منه، فأخبر بذلك فقال: وما الطنبور؟ فوصفه له حماد (٧)


(١) الربيع بن يونس بن محمد حاجب المنصور، من العقلاء ذوي الرأي والحزم اتخذه المنصور حاجبًا ثم استوزره، ثم حظي عند المهدي، وجعله المهدي على دواوين الازمة إلى أن مات سنة ١٦٩ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٤١٤ والوزراء والكتاب ص ١٢٥.
(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٢٧٣.
(٣) الأصل، المن والتصويب عن الأنساب والمنا الكيل والمكيال الذي يكيلون به السمن وغيره.
(٤) في التور: الاناء.
(٥) في الأصل: وأعملهم.
(٦) الخبر في انساب الاشراف ٣/ ٣٠٠ وأيضًا في تاريخ الطبري ٨/ ٦٣ والنقل عن الأنساب.
(٧) في الأصل: حمار، والتصويب عن الانساب.

<<  <  ج: ص:  >  >>