الغلمان مرآة كأنها درهم في كف مرتعش، والغلام يتجلل فرقًا. ويتكلل جبينه عرقًا، كأنه في عقابيل حمى، أو في وبيل حمى سقي به سُمًّا، قد نكس إلى الأرض كأنه راعف، أو كأنه ينظر موضع مصرعه وهو واقف.
وحكي أنه مات وأَكَلَتْ السنور عينه وغلمانه صفوف وقوف على بُعد منه، فما منهم مَنْ تجاسر أن يتقدم إليه ويكشف خبره، ولا يرفع إليه طرفه ويتحقق نظره.
وعن أبي مالك جرير بن أحمد بن أبي دؤاد، قال: قال الواثق يومًا لأبي تضجرًا بكثرة حوائجه: يا أحمد قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك، والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها مُتصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق إيصال الألسن بحلو المدح فيك، قال: يا أبا عبد الله والله لا يمنعك ما يزيد في عشقك ويقوى من همتك فينا ولنا، ثم لم يتضجر بعدها بحاجة يُعرضها عليه.
وحكي: أنه لما ثقل في علته التي مات فيها خيل إلى الأتراك وقد أغمي عليه أنه قضى فدنا منه تركي يقال له إيناخ (١) ليعلم هل مات أم لا، فلما دنا منه فتح عينيه ونظر إلى إيناخ، فرجع القهقرى فانتشب طرف سيفه بالباب فاندق وسقط إيناخ على قفاه لما نظره هيبة له ورغبًا لما داخلَهُ من النظر إليه، ثم لم يمر على الواثق ساعة حتى مات، فأخذ وجعل في بيت فما قام إلا يسيرًا فوجد وقد أخرجت الفأرة عينه، فسبحان القادر الفعّال لما يريد لا إلاه إلا هو، ثم كان بموته قوة شوكة الأتراك.
ثم:
[١٠] دولة المتوكل على الله (٢)، أبي الفضل جعفر بن محمد المعتصم
بدأ أمْرَهُ بكشف المحنة، ودحا مجاري سيلها، ومحا آية ليلها، وأطلق من ضاقت بهم السجون من المصرين على إنكارها، والمصرّحين بسوء آثارها،
(١) إيناخ التركي، قائد شارك في فتح عمورية أيام المعتصم وتولى الكوفة والحجاز وتهامة ومكة والمدينة، ثم خافه المتوكل فدبر قتله سنة ٢٣٤ هـ. انظر: تاريخ الطبري (انظر الفهرس) والوافي ٩/ ٤٨١ والنجوم الزاهرة ٢/ ٢٧٥. (٢) المتوكل على الله، أبو الفضل جعفر بن محمد المعتصم العباسي، انظر أخباره في: تاريخ الطبري ٩/ ١٥٤ وما بعدها، وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٧٨ ومروج الذهب ٢/ ٣٩١ وتاريخ الخلفاء ص ٣٤٦ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ٢٢٢ وتاريخ بغداد/ ٧/ ١٦٥ وفوات الوفيات ١/ ٢٩٠ والوافي ١١/ ١٢٩.