[١٨] دولة المقتدر (١) بالله، أبي الفضل جعفر بن أحمد المعتضد
بويع صغيرًا وتولج أمره وهو تغريرا، وكانت أمه هي التي تصدر الأمور، والقهرمانة أم موسى تدبر المعمور، وجَلَسَتْ في دار العدل وقرئت عليها القصص، وأوقرت الصدور بالغصص، وكان الوزير (٢) إذا قيل له في شيء قال حتى أراجع السيدات، والتواقيع تخرج إليه عنهن، وأكثرها بالسيئات، فكانت ايامه دولة النساء، وولية السفلة لا الرؤساء، فكان الناس كأنهم فوضى لا يُعرف خليفة تتبرض له ثمدًا ولا حوضا، ولا نجد إلا ضياعًا، ولا تُرَدّ يد تملكت أرضًا ولا ضياعًا، أعراض موهوبة وأعراض (٣) منهوبة، وشكايا مرقوعة، وبلايا موضوعة، وخلائق تتظلم وخلائف سلف كريم تتألّم، وكان المقتدر عقله أمثاله من الصغار، لا ينتخي لملكه ولا يغار، مشغولًا وراء حجبه، مشغوفًا بلعبه، يتشبّه في ملكه العقيم بالسوقة، ويتخذ له من جواريه معشوقة، ويقف تحت طاقتها يغمزها، ويترقب لها غفلات رقباء ينتهزها، وربما وقف اليوم الكامل وهي لا تجيبه.
(١) المقتدر بالله جعفر بن أحمد المعتضد بن الموفق، بويع له بعد وفاة أخيه المكتفي سنة ٢٩٥ هـ فاستصغر وخلع سنة ٢٩٦ هـ وأقيم مكانه عبد الله بن المعتز، ثم قتلوا ابن المعتز وأعادوا المقتدر بعد يومين، وعصاه خادمه مؤنس وجمع أنصارًا، فاخرج المقتدر من داره واعتقله مع أمه وأولاده ونساءه سنة ٣١٧ هـ. وبايعوا أخاه الظاهر، ثم ثارت فرقة من الجيش فاعادت المقتدر، ثم إن مونسًا الخادم احتل الموصل وتوجه منها إلى بغداد، فقتل المقتدر سنة ٣٢٠ هـ وكان ضعيفًا مبذرًا استولى عليه خدمه ونساؤه، ونشط القرامطة وعاثوا في البلاد حتى أخذوا الحجر الأسود. انظر: تاريخ الطبري ١٠/ ١٣٩، وكامل ابن الأثير ٦/ ١١٩، وتاريخ الخلفاء ٣٧٨، والفخري ص ١٩٢، وتاريخ مختصر الدول ص ٢٦٨، ومروج الذهب ٢/ ٥٣٩. (٢) وزر له أولًا العباس بن الحسن وزير اخيه المكتفي فلما قتل استوزر أبا الحسن علي بن الفرات تولى الوزارة للمقتدر ثلاث دفعات وقتل سنة ٣١٢ هـ فوزر له أبو علي عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان سيء السيرة. ثم قبض عليه المقتدر وحبسه واستوزر علي بن عيسى، وكان هو وعلي من الفرات يتناوبان الوزارة، ثم وزر له حامد بن العباس، ووزر له أيضًا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الخصيب وعزله سنة ٣١٤ واستوزر محمد بن علي بن مقلة صاحب الخط المشهور، ثم استوزر أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد سنة ٣١٨ هـ. ثم قبض عليه واستوزر أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلواذي لمدة شهرين، ثم وزر له الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ثم أبو الفضل جعفر بن الفرات. انظر الفخري ص ١٩٦ - ٢٠٤. (٣) الأعراض الأولى: جمع عَرَض، متاع الدنيا، والاعراض الثانية جمع عرض، ويراد به الشرف.