ورأى جارية فاختفى كأنه وافي إليه رقيبه، فمرّةً تَصِله ومرّةً تهجره، وآونةً تتَعَذَّر بزوجها وتارةً تتعذر بأوجُهها، وتارةً تتستر بأوجُهها، وكلُّ هذا افْتِعَله ووطَّنه لذَّةً له ففَعَلَهُ، وكان رُبَّما ركب حمارًا وأردفها وراءه، ومرَّ بسوق عمله في قصره واسْكُنه الجواري وأوطنه كواعب كالدراري، وجعل عِندهُنَّ أنواع الطعام، ومِنْهُنَّ الخباز والطباخ واللحام، والخمَّار، وعنده الخمارة والمُدام، فيقف على الحانوت فيشتري قَدْر ما يحتاجه من القوت، وكذلك ما يريد من الخمرة فإذا اكتفى حمل الكل في الخرج ومَرَّ، ثم ينطلق إلى مكان اتخذه في القصر شبيهًا بالقرية، ونزل به، وقضى معها يومه كله في أكله وشُرْبه، ثم إما تجيء جارية على أنها عاشقة لتلك الجارية الأخرى التي يتعشقها، يريد ما أراده منها، فيقوم يدرًا عنها، فتارة يغلب، وتارةً يُغْلَب، وتارة تجيء جارية على أنها صاحب الشُّرطة، فيأخذهما ويذهب، ثم يأمر بالمقتدر بأن يتظاهر في شوارع بغداد، فيطاف به في رحاب القصر، وينادى عليه، هذا جزاء من يتظاهر بالمحرمات في مثل هذا القصر، وكان المقتدر منقطعًا إلى أمثال هذا اللعب، ما اجتهد في سواه ولا رغب، ولهذا اختلت حالُهُ مراتٍ وخُلِع، ثم عاد كرات، لكنه مع هذا اللهو المُفرط واللعب، وهو ما بلغه منبسط ولا لحقه بعده منتهك، ولا سبقه إليه سوقة ولا ملك، وكان سعيدًا محظوظًا، شديدًا أدرك من المرام حظوظًا، وكان واسع النفقات، شايع الصدقات، ودانت له الآفاق شرقها وغربها، وبعدها وقُربها، ولم يبقَ لشيء مما كان في ملك الخلفاء الأول، إلا مُذعنًا لأمره، ممعنًا للتَأهب لنصره، لا تحمى أطرافها إلا بعسْكره، ولا تشمخ أُسرة ملوكها إلا بالخضوع لمنبره.
واتفق في أيامه عجائب وغرائب، منها: إنه بُعث إليه من مصر طرائف منها تيس يُحلب منه اللبن، وبُعث إليه من عمان طائر صيني أسود يتكلم بالهندية والفارسية أصح من الببغاء، وورد عليه البريد بالدينور يذكر أن بغلة له وضعت فلوة، ونسخة الكتاب: الحمد لله الموقظ بغيره قلوب الغافلين، والمُرشد بآياته بصائر العارفين، الخالق ما يشاء بغير مثال، ذلك الباريء المصور، له الأسماء الحسنى، ومما قضاه الله المصور في الأرحام ما يشاء أن الموكل بخبر التطواف ذكر أن بغلة لرجل يُعرف بأبي بردة وضعت فلوة، ووصف اجتماع الناس لذلك وتعجبهم مما عاينوه، فوجئتُ مَنْ أحضرني الفلوة والبلغة، فوجدتها كميتًا، ورأيت الفلوة سرية الخلق، تامة الأعضاء، منسدلة الذنب، يُشبه ذنبها أذناب النياب. فسبحان الذي لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.