فبكى الرشيد، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته، فقال: يا فضل دعه، رآنا في عمى فكره أن يزيدنا.
وعن القاضي أبي يوسف (١)، قال: بينا أنا البارحة قد أويت إلى فراشي، فإذا هرثمة (٢) بن أعين يدق الباب دقا شديدا، فكلمته، فقال: أجب أمير المؤمنين، فسألته الإمهال إلى غد، فقال: ما إلى هذا سبيل فاغتسلت وتحنطت، ثم صرنا إلى الرشيد، وإذا بعيسى بن جعفر ابن المنصور على يمينه، فسلمت، فرد السلام ثم قال: أظننا روعناك؟ قلت: أي والله والله وكذلك من خلفي، قال: اجلس، فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي فقال: أتدري لم دعوتك؟ فقلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا إني سألته جارية عنده أن يهبها لي فامتنع، فسألته أن يبيعها فأبى، ووالله لئن لم يفعل لأقتلنه، فالتفت إلى عيسى وقلت: وما تبتغي بجارية تمنحها أمير المؤمنين؟ فقال: عجلت علي قبل أن تعرف ما عندي، قلت: فما الذي عندك؟ قال: إن علي يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن (لا) أبيع هذه الجارية، ولا أهبها، فقلت له: تهب له نصفها، وتبيعه نصفها، فتكون لم تبع ولم تهب، فقال: أشهدك إني وهبته نصفها، وبعته نصفها بمائة ألف دينار، ثم أتي بالجارية وأخذ المال، فقال الرشيد: بقيت واحدة فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها مملوكة ولا بد لها من الاستبراء ووالله إن لم أبت معها ليلتي إني
(١) أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، تلميذ أبي حنيفة، وناشر مذهبه، كان فقيها عالما بالحديث، ولد بالكوفة وولي قضاء بغداد أيام المهدي والهادي والرشيد. ودعي بقاضي القضاة أيام الرشيد توفي سنة ١٨٢ هـ. انظر: النجوم الزاهرة ٢/ ١٠٧ والبداية والنهاية ١٠/ ١٨٠ وتاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٢ والوفيات ٦/ ٣٨٧. (٢) هرثمة بن أعين مضى ذكره وهو قائد شجاع، ولاه الرشيد مصر سنة ١٧٨ هـ ثم ولاه خراسان وولاه غزو الصائفة، ثم انحاز إلى المأمون أيام الفتنة بينه وبين الأمين، فقاد جيوشه إلى بغداد، ثم نقم عليه فحبسه، وكان الفضل به سهل وزير المأمون يبغضه فدس إليه من قتله في الحبس سنة ٢٠٠ هـ. انظر: تاريخ الطبري (انظر الفهرس) والنجوم الزاهرة ٢/ ٨٨.